أخطر فصول كتاب " لغز المشير " ( 1 )

تابعنا على:   17:35 2015-08-22

أمد/ القاهرة: من كتابه المهم والخطير «لغز المشير» يتعرض الكاتب الصحفى مصطفى بكرى إلى موقف المشير حسين طنطاوى والمجلس العسكرى من الانتخابات الرئاسية، ورد الفعل بعد نتائج الجولة الأولى منها. كما يتعرض لموقف الإخوان من حكم المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان، وعدم دستورية قانون العزل السياسى، ولماذا قرر المجلس العسكرى الموافقة على حل البرلمان رغم مخاوف المشير من تبعات القرار. ويكشف الكاتب، للمرة الأولى، رفض المشير طنطاوى اقتراحاً مقدماً من مسئول كبير بترك مجموعة من صغار الضباط ينفذون انقلاباً عسكرياً قبل موعد بدء الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، الأحد، 20 مايو 2012.

أدلى الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل بحديث مهم إلى صحيفة الأهرام كشف فيه النقاب عن استمرار المؤامرة ضد مصر وتأثيرها على الانتخابات الرئاسية. لقد علق هيكل على الأحداث التى شهدها مسرح البالون وماسبيرو ومحمد محمود ووزارة الدفاع فى ذلك الوقت فقال: «إن وجود الأيدى الخفية واقع، فالمؤامرة حاضرة دائماً فى التاريخ، ويوم تظهر الحقائق فسوف يتكشف على سبيل المثال حجم الأموال التى دخلت مصر للتأثير على مجرى الأحداث من 25 يناير إلى هذه اللحظة، وهى مليارات الدولارات، فالمشاركة فى تحديد وتوصيف وصياغة مستقبل مصر السياسى والاستراتيجى مسألة تساوى أن يُدفع فيها أى ثمن».

كانت تلك كلمات الأستاذ هيكل قبيل إجراء الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية فى 23 و24 مايو 2012. فى هذا الوقت، وفى التاسعة من صباح اليوم ذاته، التقيت الفريق سامى عنان، نائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة رئيس الأركان، بمكتبه بوزارة الدفاع، ثم انضم إلينا د. حسن راتب، رئيس مجلس إدارة قناة المحور الفضائية، ودار الحوار بيننا حول الدعاوى القضائية التى انطلقت للمطالبة بإصدار إعلان دستورى مكمل، وكان من رأيه أن يبقى الوضع على ما هو عليه، خاصة ما يتعلق بالمادة 56 التى تتضمن سلطات المجلس العسكرى، والمحددة فى عشرة بنود، خاصة أن المجلس يقوم بمهام رئيس الجمهورية لحين انتخابه.

وأكد سامى عنان فى هذا اليوم أن الجيش المصرى سيحمى الرئيس المنتخب أياً كان توجهه، وسيدافع عن الشرعية وخيار الشعب أياً ما كان الأمر، وأنه مصمم على أن يبقى على مسافة واحدة من جميع المرشحين. وعندما سأله د. حسن راتب: بماذا تنصحنا؟ ولمن نعطى أصواتنا؟ عاد الفريق عنان ليكرر مقولته: «نحن على مسافة واحدة من الجميع، ولك الخيار»، كان سامى عنان يحدثنا فى هذا الوقت ويطلب رأينا فى شكل الاحتفال الكبير الذى يقترح إقامته فى منطقة غرب القناة لتسليم السلطة للرئيس المنتخب، وكان من رأيه دعوة العديد من قادة العالم لحضور هذا الاحتفال الذى يعقبه تكريم أعضاء المجلس العسكرى التسعة عشر من الرئيس الجديد.

وفى هذا اليوم أبلغنا الفريق عنان أنه تم ضم كل من اللواء محمود نصر واللواء ممدوح شاهين إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة رسمياً، حيث كانا يحضران اجتماعات المجلس دون عضوية رسمية، وأن المشير أصدر قراراً بضمهما ليصبح أعضاء المجلس 21 عضواً فى ذلك الوقت. وفى حوالى الثانية والنصف من بعد ظهر ذات اليوم كان لدىّ موعد مع الدكتور كمال الجنزورى، رئيس مجلس الوزراء، الذى قال إنه مقبل لتوه من اجتماع مع الفريق سامى عنان انتهى فى نحو الثانية ظهراً، وتحدث معه فى ضرورة صدور إعلان دستورى جديد، وقال لى: «لقد قلت له: يجب ألا تُترك السلطة للمجهول، وأبلغته بأننى لن أترك موقعى كرئيس للوزراء لأن دورى لن ينتهى إلا باستقرار الأوضاع»، وقال: «لقد قلت له إن الرئيس المقبل لا يجب أن يتولى الحكم إلا بعد الانتهاء من وضع الدستور»، وقال: «اقترحت مدة شهرين تقريباً للانتهاء من الدستور، بعدها يتولى الرئيس المنتخب مهام السلطة، حتى تكون الأمور قد استقرت فى البلاد».

قلت للجنزورى فى ذلك الوقت: «إن البلاد مقبلة على كارثة كبرى إذا فاز محمد مرسى، وإن الأوضاع قد تتداعى، والبلاد قد تتعرض لمشكلات كبيرة». وفى مساء اليوم ذاته اتصل بى الدكتور الجنزورى وقال: «أنا قلق، وأصـحابك، يقصد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تحاصرهم الأزمات من كل اتجاه، ولكن نحن فى حاجة إلى قرارات حاسمة»، وتواعدنا على اللقاء مرة أخرى. وقبيل إعلان نتائج المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية كنت أجلس مع المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام، فى مكتبه بدار القضاء العالى، وسألته عن النتيجة المتوقعة، فقال لى: إن أحمد شفيق يتقدم الجميع بنحو 160 ألف صوت، يليه محمد مرسى.

ذهبت إلى مجلس الشعب فى هذا الوقت لمتابعة الموقف، كانت لدينا جلسة لمناقشة بعض الموضوعات العادية، لكن كانت هناك حالة ترقب لنتائج الانتخابات الرئاسية. وخلال الجلسة أرسلت للدكتور سعد الكتاتنى رسالة وهو يجلس على المنصة قلت له فيها: هناك مؤشرات تؤكد أن أحمد شفيق هو الحاصل على أعلى الأصوات فى الجولة الأولى وبفارق 160 ألف صوت، وفجأة وجدت وجه الكتاتنى قد تغير، واعترته حالة من التجهم، ثم أرسل إلىّ ورقة والجلسة منعقدة، سألنى فيها: من أين أتيت بهذه المعلومات؟ فقلت له: لقد عرفتها من مصدر قضائى، فازداد تجهمه بعد أن قرأ الورقة، وبدا مرتبكاً أثناء إدارة الجلسة.

المشير: سنحترم اختيار الشعب وندافع عن الشرعية مهما كان الفائز.. و«الجنزورى»: يجب ألا يُترك مصير البلد للمجهول

كنت قد تقدمت فى هذا الوقت بطلب إحاطة إلى د. سعد الكتاتنى حول موقف الحكومة من قانون الطوارئ الذى سينتهى العمل به يوم 31 مايو، فقال لى: «كيف تطلب منى أن أناقش أمراً لم يردنى بشأنه شىء لا من الحكومة ولا من المجلس العسكرى؟». فى اليوم التالى، 28 مايو 2012، اتصل بى د. كمال الجنزورى مبكراً وطلب منى أن نلتقى فى مكتبه بمبنى مجلس الوزراء المواجه لمبنى البرلمان فى الثانية عشرة ظهراً، وذهبت إليه فى الموعد المحدد، وتدارسنا لنحو الساعة نتائج الانتخابات الرئاسية التى اتضحت مؤشراتها قبيل إعلانها فى اليوم نفسه، وطلب منى أن أُبلغ الفريق أحمد شفيق الذى سيدخل جولة الإعادة بأن عليه أن يقدم برنامجاً قوياً لجماهير الناخبين فى الجولة الثانية يقوم على اختصار مدة الرئاسة لعامين بدلاً من أربعة أعوام، وأن يعد بنسبة محددة فى المواقع التنفيذية «محافظين ووزراء» لشباب الثورة، وأن يقدم للناس ما يؤكد عدم وجود نية لديه لإعادة إنتاج النظام القديم.

كانت مخاطرة من الجنزورى، لكنه كان منذ البداية على يقين من أن مرشح الإخوان إذا ما حقق الفوز فمعنى ذلك أننا سنمضى إلى المجهول. بعد هذا اللقاء اتصلت بالفريق أحمد شفيق هاتفياً وقلت له: «إن صديقنا المشترك الذى فى الحكومة يبلغك برسالة محددة»، وقلت له مضمون الرسالة، فسألنى أحمد شفيق مندهشاً وقال: «ولماذا تختصر مدة الرئاسة إلى عامين؟»، وبدا أنه غير مقتنع بهذا الأمر، فى هذا الوقت عدت للحديث مع سعد الكتاتنى عن حالة الطوارئ، خاصة أنه لم يكن يتبقى على الموعد المحدد لإلغائها أو تجديدها سوى ثلاثة أيام، فقال لى: «أنا لن أرسل طلباً بالمد لمدة شهر فيرفضه المجلس العسكرى، ولذا ليس أمامنا سوى الانتظار»، وفى مساء اليوم ذاته اتصلت بالفريق سامى عنان أسأله عن حالة الطوارئ والموقف منها، فقال لى: ما رأيك؟، قلت له: لا بد أن يرسل المجلس العسكرى إلى مجلس الشعب بما يفيد رفض استمرار حالة الطوارئ بشرط أن تتحملوا مسئولية الأمن كاملة.

قال لى الفريق سامى عنان: نحن نبحث الأمر وسنرى، وبعد إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية مساء اليوم ذاته وانحصار المنافسة بين محمد مرسى وأحمد شفيق، اشتعلت ثورة الغضب فى نفوس عناصر الإخوان وتابعيهم، فقام علاء عبدالفتاح وآخرون من مجموعة 6 أبريل وبعض السلفيين والإخوان بإحراق مقر اللجنة الانتخابية الرئيسى للفريق أحمد شفيق فى منطقة الدقى، كما خرجت مظاهرات فى القاهرة والإسكندرية ودمياط وبورسعيد وغيرها تعترض على نتائج الانتخابات.

«الإخوان» خططوا لحسم الانتخابات قبل إعلان النتائج.. وانتشرت التهديدات باستهداف الأقباط إذا لم يفز «مرسى»

كانت الأوضاع فى البلاد تزداد تدهوراً، وراحت جماعة الإخوان تحرِّض على العنف وتنذر بالخراب والدم فى حال فوز أحمد شفيق فى انتخابات الإعادة. وكان أحمد شفيق يدرك أبعاد المؤامرة، لكنه لم يكن على ثقة من أن التصعيد ضده سيصل إلى حد العنف وحرق مقراته والتهديد باغتياله. وبعث أحمد شفيق فى هذا الوقت برسائل عديدة مضمونها يؤكد استعداده للتعاون مع جميع الفرقاء، خاصة شباب الثورة، عندما قال: «إن الثورة خُطفت من هؤلاء الشباب، وإنه حان الوقت لأن يحصلوا على حقوقهم التى أُهدرت وأن يتبوأوا المواقع التنفيذية التى تمكنهم من تحقيق أهداف ثورتهم».

فى هذا الوقت أصدر حزب النور تصريحاً على جانب كبير من الأهمية على لسان د. طارق فهيم، أمين الحزب بالإسكندرية، قال فيه: «إن الحزب سيقبل بنتائج الانتخابات فى حال فوز الفريق أحمد شفيق ما دام قد جاء بإرادة الشعب ومن خلال صناديق الانتخابات وبشفافية كاملة ودون تدخل من أحد»، وقال: «إن الحزب سيرفض أى دعوة للخروج على الشرعية؛ لأن ذلك يعرِّض مصلحة الوطن للخطر، ويُدخلنا فى نفق مظلم لا نعلم كيف سنخرج منه، وبالتالى فإن الدعوة التى تطالب بالنزول إلى الشارع فى حال فوز الفريق شفيق مرفوضة تماماً ولم تصدر عنا»، بل الأهم من ذلك أن أشرف ثابت، وكيل مجلس الشعب السابق، وعضو الهيئة العليا لحزب النور، قام ومعه د. ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية، بزيارة أحمد شفيق فى منزله للتنسيق معه حول انتخابات الإعادة.

«عنان» اتصل بـ«سلطان» و«بجاتو» وأبلغهما استعداد المشير لإلغاء نتيجة الانتخابات.. والسبب: تزوير أصوات الجولة الثانية

كان الإخوان يمارسون الابتزاز على الجميع فى هذا الوقت، وقد راحوا يرددون الشائعات والأكاذيب عن احتمال تدخل المجلس العسكرى لتزوير الانتخابات لصالح أحمد شفيق، وأنهم لن يقبلوا بالصمت وسيقلبون الدنيا رأساً على عقب إذا ما حدث ذلك.

تحدثت مع اللواء مختار الملا، عضو المجلس العسكرى، لأسمع وجهة نظره فى هذه الاتهامات، وكان مستاءً للغاية، وقال: «إن المجلس لن يبقى صامتاً أمام هذه الأكاذيب التى لا سند لها». وفى مساء الأربعاء، 30 مايو، عاودت الاتصال بالفريق سامى عنان لمعرفة موقف المجلس العسكرى من حالة الطوارئ، فقال لى: «إن المشير طنطاوى سينهى حالة الطوارئ مع تولى القوات المسلحة لمهام الأمن فى البلاد، وإن قراراً بذلك سوف يصل إلى مجلس الشعب غداً». وبالفعل كان القرار قد صدر فى اليوم التالى بإنهاء حالة الطوارئ رغم خطورة الأوضاع والانتخابات الرئاسية المتوقعة، إلا أن المشير طنطاوى كان يعرف أن جماعة الإخوان ستتخذ من قرار المد شماعة لإثارة المشاكل، فقرر وقف العمل باستمرارها، مع تولى القوات المسلحة المهام الأمنية كاملة لحماية البلاد.

وفى يوم الأحد، الثالث من يونيو، كان هناك هجوم عنيف من جماعة الإخوان ضد قضاة مصر وضد رئيس النادى المستشار أحمد الزند، وثارت معركة حامية الوطيس بينى وبين النائب الإخوانى محمد البلتاجى، ومن عجب أن كثيراً من الليبراليين من أعضاء البرلمان انضموا إلى البلتاجى فى هجومهم على القضاء، وتصاعدت حدة التوتر بينى وبينه عندما راح يتهمنى بأننى أحمل رسالة من المجلس العسكرى وأننى مجرد مندوب لمن كان يسميهم «العسكر»، وذلك بعد أن تحدثت عن ضرورات انتخاب الهيئة التأسيسية لوضع الدستور.

فى هذا الوقت دعا المشير طنطاوى إلى لقاء خاص مع الأحزاب يوم الثلاثاء 5 يونيو قدم فيه ما يشبه الإنذار الأخير، إلا أن جماعة الإخوان ظلت تراوغ حتى اللحظة الأخيرة، يومها أنذر المشير بأنه إذا لم يتم الانتهاء من تشكيل الجمعية التأسيسية بشكل يرضى جميع القوى والأحزاب فإنه سيضطر إلى تشكيل جمعية تأسيسية استناداً إلى صلاحياته وحقه فى إصدار إعلانات دستورية جديدة، ولكن جماعة الإخوان طلبت مهلة من الوقت، بعدها أصدرت الجماعة تعليماتها لعناصرها فى البرلمان، وطالبتهم بضرورة تجاوز الأزمة مع المجلس العسكرى، وفى يوم الاثنين 11 يونيو تمت مناقشة قانون معايير التأسيسية، وأقر مجلسا الشعب والشورى فى 13 يونيو 2012 التشكيل الثانى للجمعية التأسيسية، بينما انسحب عدد من ممثلى الأحزاب المدنية بسبب هيمنة الإخوان والسلفيين على التشكيل الجديد.

تصاعدت الأزمة فى الشارع مجدداً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية التى أشارت بعض التوقعات إلى احتمال فوز محمد مرسى بها بسبب انقسام القوى المدنية حول المرشح الآخر، الفريق أحمد شفيق. فى هذا الوقت التقى مسئول كبير بالمشير حسين طنطاوى بمقر وزارة الدفاع وحذر خلال اللقاء من خطورة النتائج التى يمكن أن تسفر عنها الانتخابات الرئاسية المقبلة، وبينما كان المشير طنطاوى يودعه أمام مبنى الوزارة، قال له المسئول الكبير: «إذا كنت أنت لا تريد أن تتخذ قراراً، اترك شباب العسكريين يدبرون انقلاباً لإنقاذ البلاد، خاصة أن فوز مرشح الإخوان محمد مرسى سوف يسبب كارثة كبرى»، هنا بادره المشير طنطاوى على الفور بالقول: «وماذا سيقول علينا الناس؟ سوف يقولون إن هذا الانقلاب تم بمعرفتنا، وإن هناك تواطؤاً على التجربة الديمقراطية، كما أن العالم لن يتركنا وحالنا، بل سيسعون إلى التآمر على الجيش والدولة، ولذلك نحن ملتزمون باتفاقنا منذ البداية على تسليم السلطة لرئيس مدنى منتخب، وأنا لن أتدخل فى الانتخابات ولن أسمح بذلك، والخيار الوحيد هو خيار الشعب، والرئيس الذى سيتم انتخابه سنوافق عليه أياً كان رأينا فيه، وسندافع عن شرعية انتخابه». ولم يعلق المسئول الكبير على كلام المشير طنطاوى، لكنه قال فى قرارة نفسه: «ربنا يستر».

وفى يوم الخميس، الرابع عشر من شهر يونيو 2012، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمين أساسيين فى قضيتين شغلتا الرأى العام لفترة من الوقت. كان الحكم الأول متعلقاً بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخابات مجلس الشعب وتحديداً المادة 5 منه، حيث قضى الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة الثالثة من القانون رقم 38 لسنة 1972 والمستبدلة بالمرسوم بقانون رقم 123 لسنة 2011 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 120 لسنة 2011 وذلك لمخالفتهما مبدأ المساواة الذى كفلته المادة 7 من الإعلان الدستورى، الصادر فى مارس 2011، بعد أن ميزا بين المنتمين للأحزاب السياسية البالغ عددهم ثلاثة ملايين، والمستقلين وعددهم خمسون مليوناً، بأن خصا المنتمين للأحزاب بثلثى عدد أعضاء مجلس الشعب وقصرا حق المستقلين على الثلث الباقى، يزاحمهم فيه المنتمون للأحزاب ولذلك حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة الثالثة من القانون رقم 38 لسنة 1972 فى شأن مجلس الشعب المستبدلة بالمرسوم بقانون رقم 120 لسنة 2011. كما قضت بعدم دستورية ما تضمنه نص الفقرة الأولى من المادة السادسة من هذا القانون المستبدلة بالمرسوم بقانون رقم 108 لسنة 2011 من إطلاق الحق فى التقدم بطلب الترشح لعضوية مجلس الشعب فى الدوائر المخصصة للانتخاب بالنظام الفردى للمنتمين للأحزاب السياسية إلى جانب المستقلين غير المنتمين لتلك الأحزاب.

هذا عن منطوق الحكم الصادر ببطلان عضوية ثلث أعضاء البرلمان الذين رشحوا أنفسهم على القوائم، وكان طبيعياً أن ينصرف الحكم إلى بقية أعضاء المجلس. وقد أثار هذا الحكم حالة من الغضب الشديد لدى جماعة الإخوان وبعض القوى المدنية الأخرى، وكنت قد بادرت بعد صدور الحكم إلى إعلان قبولى بالحكم وتقدمت باستقالتى من البرلمان فى مداخلة هاتفية على الهواء مع الإعلامية لميس الحديدى بعد صدور الحكم بدقائق.

وإلى جانب هذا الحكم، كان هناك حكم آخر أصدرته المحكمة الدستورية العليا فى الجلسة ذاتها يقضى بعدم دستورية قانون العزل السياسى الذى يمنع رموز النظام السابق من خوض الانتخابات، وكان معنى ذلك أن المرشح الرئاسى أحمد شفيق سوف يتمكن من خوض الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية فى مواجهة المرشح الإخوانى محمد مرسى. وكان الإخوان وحلفاؤهم قد مارسوا ضغوطاً شديدة على المجلس العسكرى واللجنة العليا للانتخابات لإجبارهما على القبول بالقانون الذى قدمه مجلس الشعب والذى قضى بالعزل السياسى، وهو القانون الذى كنت، إلى جانب قلة داخل البرلمان، قد حذرنا من عدم دستوريته وخطورته على الأوضاع فى البلاد.

وفى اليوم نفسه دعا المشير طنطاوى إلى اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة لمناقشة أبعاد الحكمين الصادرين، وبعد مناقشات قصيرة، وقيام اللواء ممدوح شاهين، عضو المجلس، بتقديم رؤيته القانونية للحكمين، تمت الموافقة، وقرر المجلس الالتزام بتنفيذ حكم حل مجلس الشعب، أما الحكم الآخر فهو ملزم للجنة العليا للانتخابات. وقد أصدر المجلس العسكرى فى هذا اليوم بياناً أكد فيه أن الجولة الثانية من الانتخابات المقرر إجراؤها فى 16 و17 يونيو 2012، سوف تُجرى فى موعدها المحدد، وأنه قام بتوفير جميع الضمانات الأمنية واللوجيستية لإجرائها على الوجه الأكمل.

كان موعد الانتخابات هو السبت والأحد، قبلها كنت التقيت الدكتور الجنزورى وقلت له: «إننى أشعر بالخطر من استغلال المواطنين ليومى الخميس والجمعة فى السفر إلى الشواطئ، ما يعنى أنهم لن يعودوا إلا يوم الاثنين المقبل، وبذلك نحرم من ملايين البشر الذين سوف تذهب أصوات كثير منهم إلى المرشح أحمد شفيق فى حال مشاركتهم فى عملية التصويت»، فقال لى الجنزورى: «إن اللجنة العليا للانتخابات رفضت اقتراحاً يقضى بتأجيل الانتخابات إلى الاثنين والثلاثاء، وانتهى الأمر».

وبالفعل منذ يوم الخميس 14 يونيو سافر ما يزيد على 3 ملايين مواطن إلى الشواطئ تاركين القاهرة والعديد من المحافظات الأخرى، ما حرمهم من فرصة التصويت، وكان ذلك لصالح المرشح الإخوانى بكل تأكيد. وسعت جماعة الإخوان إلى استغلال حُكمَى المحكمة للتحريض ضد المجلس العسكرى، فقد أصدرت بياناً فى هذا الوقت أكدت فيه أن قرار المجلس العسكرى بحل البرلمان هو انتزاع للسلطة التشريعية بغير حق، إضافة إلى السلطة التنفيذية التى من المفروض تسليمها للسلطة المدنية بعد أسبوعين.

فى هذا الوقت كان وفد من جماعة الإخوان قد سافر إلى الولايات المتحدة فى زيارة لطرق الأبواب والتمهيد لفوز محمد مرسى وتقديم المزيد من الضمانات والتطمينات للأمريكان، وقد التقى الوفد مسئولين بالكونجرس والخارجية والاستخبارات الأمريكية، بينما كانت السفيرة الأمريكية آن باترسون على اتصال مستمر بالجماعة ومرشحها محمد مرسى.

كانت جميع المؤشرات تؤكد أن واشنطن تمارس ضغوطها على المجلس العسكرى واللجنة العليا للانتخابات بزعم التحذير من خطورة التدخل لصالح الفريق أحمد شفيق فى الجولة الثانية للانتخابات.

فى هذا الوقت ترددت معلومات عن عمليات عنف سيقوم بها الإخوان حال فوز أحمد شفيق، ووصلت التهديدات إلى اللجنة العليا للانتخابات والمجلس العسكرى، وفى اليوم الأول تم القبض على أحد الأشخاص أمام اللجنة الانتخابية بمنشية ناصر، ووُجد على تليفونه المحمول خطة تقضى بحرق القصر الجمهورى ومؤسسات سيادية أخرى حال فوز أحمد شفيق.

ظلت عملية الانتخابات مفتوحة فى هذا اليوم حتى الحادية عشرة مساء، وتم مد فترة التصويت حتى الساعة الواحدة بسبب تكدس أعداد الناخبين. كانت المعلومات تتدفق على اللجان القضائية الانتخابية عن وجود تجاوزات فى أعداد كبيرة من اللجان الانتخابية لصالح المرشح محمد مرسى، وفى اليوم التالى صرح المستشار حاتم بجاتو، الأمين العام للجنة العليا للانتخابات الرئاسية، بالقول: «إن اليوم الثانى للانتخابات يشهد عدة مخالفات انتخابية، منها ضبط محاولات تسريب أوراق إلى خارج اللجان الانتخابية لبدء عملية التزوير عبر ما يسمى (الورقة الدوارة)، إضافة إلى العثور على عدد من الدفاتر التى تحمل أوراقاً مسودة لصالح مرشح بعينه وصل عددها إلى ألفى ورقة وأغلبها كان فى محافظة الشرقية»، وقال: «إنه تم ضبط البطاقات المسوَّدة قبل استخدامها، وإن جميع أوراق الانتخابات المخالفة طُبعت فى المطابع الأميرية، وإن كل المخالفات التى وردت إلينا وتشكل جريمة أحلناها للنيابة العامة».

لم يكن المجلس العسكرى بعيداً عما جرى، فقد رصدت الأجهزة الأمنية العديد من هذه المخالفات، وتم رفع تقرير بها إلى المشير طنطاوى، وكان أخطر ما تضمنه هذا التقرير الذى اطلع عليه المشير عصر اليوم الثانى للانتخابات فى 17 يونيو ما يفيد بطباعة حوالى مليون و800 ألف بطاقة انتخابية مسوَّدة ومزوَّرة فى المطابع الأميرية لصالح المرشح محمد مرسى، إضافة إلى تهديد الأقباط فى بعض محافظات الصعيد ومنعهم من التصويت.

وفى نفس اليوم، طلب المشير طنطاوى من الفريق سامى عنان الاتصال بالمستشار فاروق سلطان، رئيس اللجنة العليا للانتخابات، ومعه المستشار حاتم بجاتو، لإطلاعهما على الأمر. وقد قام الفريق سامى عنان بالاتصال فعلياً وأبلغهما بمضمون التقرير، وأكد أن المشير مستعد فوراً للموافقة على أى قرار تتخذه اللجنة لوقف هذه التجاوزات حتى ولو كان القرار سيفضى إلى إلغاء الانتخابات وإعادة إجرائها مرة أخرى، بما يضمن نزاهتها. غير أن المستشار فاروق سلطان رفض اتخاذ أى خطوات من شأنها وقف سير الانتخابات أو إلغاؤها أو إعادتها، وقال: إن اللجنة العليا سوف تكلف وزارة الداخلية والمخابرات العامة والرقابة الإدارية لإجراء تحرياتها حول هذه التجاوزات، وإنه إذا كان هناك ما يوجب إلغاء نتيجة الانتخابات فلن يتردد فى اتخاذ القرار المناسب. لم يكن أمام المشير طنطاوى من خيار آخر، فرئيس اللجنة العليا قال كلمته، وهو لا يستطيع إجباره على القبول بأى حل رغماً عنه؛ لأن ذلك لن يكون مقبولاً بأى حال من الأحوال من اللجنة، لذلك لم يكن أمام المشير والمجلس العسكرى من خيار سوى انتظار التطورات المقبلة.