أمن أوروبا وروسيا

تابعنا على:   11:26 2022-12-06

افتتاحية الخليج الإماراتية

أمد/ لطالما كانت مسألة الأمن تشكل هاجساً لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت ترى أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يشكل مظلة أمنها حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، ومحاولة روسيا بعد ذلك انتهاج سياسة انفتاح خارج الصراع الإيديولوجي، واتباع سياسة السوق، وتطبيع العلاقات مع الحلف من خلال إقامة مجلس (روسيا - حلف شمال الأطلسي) لعلها بذلك تطمئن جيرانها الأوروبيين بأن مرحلة الحرب الباردة انتهت، ولا بد من إقامة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وعدم توسيع الحلف باتجاه حدودها الغربية من منطلق إقامة أمن متوازن يحفظ مصلحة الجميع.

 لكن الرياح الغربية لم تجرِ وفق ما تشتهي السفن الروسية، ولم يتوقف حلف شمال الأطلسي عن التمدد وضم معظم دول أوروبا الشرقية التي كانت قبل العام 1991 ضمن الفلك السوفييتي، وصولاً إلى العام 2008، عندما حاولت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن ضمّ جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف. وفي قمة حلف «الناتو» آنذاك التي عقدت في بوخارست، وحضرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضيفاً طرح بوش مسألة الانضمام، لكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أحبطا المحاولة، لأن مثل هذه الخطوة تعرّض أمن أوروبا إلى الخطر باعتبارها تمثل استفزازاً لروسيا التي ترى أن انضمام جورجيا وأوكرانيا خط أحمر بالنسبة لأمنها الوطني.

 لكن الولايات المتحدة ظلت تعمل سراً على تطويق روسيا من خلال تحويل أوكرانيا إلى مخلب قطٍّ لها، بتدبير «تمرد مسلح» في فبراير/ شباط 2014، أطاح الرئيس المنتخب فيكتور يانكوفيتش، الأمر الذي دفع القوات الروسية إلى احتلال شبه جزيرة القرم بدعوى أنها جزء من روسيا، ثم تطورت الأمور إلى الحرب الأخيرة قبل تسعة أشهر، لكن بعد أن دعت موسكو أكثر من مرة الدول الغربية للتوقف عن توسيع حلف «الناتو» شرقاً، وعدم انضمام أوكرانيا إليه، وضمان حيادها، والعمل على تحقيق أمن متبادل.

 وعندما طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة ضرورة تقديم ضمانات أمنية لروسيا، وقوله إنه «يجب علينا أن نفكر في الهيكل الأمني الذي سنعيش في ظله غداً، أتحدث بشكل خاص عن كلام الرئيس بوتين بأن الناتو يقترب من حدود روسيا وينشر أسلحة يمكن أن يهددها»، فهذا يعني أن هناك وعياً بأهمية توفير الأمن المشترك لكل من روسيا وأوروبا، والتوقف عن استمرار الزحف باتجاه الحدود الروسية، باعتبار أن الأمن مصلحة مشتركة لكل القارة الأوروبية بعيداً عن الأهداف الأمريكية التي لا تعير اهتماماً لهذه المخاوف، خصوصاً أن روسيا كانت تقدمت في ديسمبر/ كانون الأول 2021، أي قبل اندلاع الحرب الأوكرانية بمشروعي اتفاقيتين إلى الولايات المتحدة وحلف «الناتو» حول مسألة الضمانات الأمنية، لكنها لم تتلقّ رداً إيجابياً.

 هل ينجح ماكرون في مسعاه ؟ وهل تسمح له الولايات المتحدة بإنجاز مهمة كانت رفضتها؟

كلمات دلالية