تجليات الإبداع في شعر الشاعر التونسي السامق "د.طاهر مشي"

تابعنا على:   09:40 2022-12-03

محمد المحسن

أمد/ لعل من أبرز الخصائص المميزة للعمل الفني عموما والملفوظ الشعري خصوصا انه عمل يستفز المتلقي ويحمله على التفكير والتامل في كل حرف وكل كلمة بل يجعله يبحث عما خلف السطور وخلف الكلمات. ومن هنا يمكننا القول أن الجمالية في الشعر جماليتان : هما جمالية الكتابة وجمالية التلقي .

فالطاقة الشعرية تتسع كلما اتسعت دائرة القرّاء لان كل واحد سيتناول النص من منظوره الخاص ويرى فيه ما لا يرى غيره .

ولا يفوتنا الإشارة الى أنه من شروط جمالية النص الشعري أن تكون المعاني والصور متمنعة مستفزة لا تسلم نفسها للمتلقي بيسر بل تحمله على أعمال فكره وقراءة القصيدة بترو،وبذلك يمكننا الإقرار بكثير من الإطمئنان أن النص الشعري نصان : نص مكتوب على ضوء رؤية صاحبه،

ونص مقروء حسب رؤية المتلقي .

وهنا نستحضر قول تودوروف ”ان النظرة إلى الحدث الواحد من زاويتين مختلفتين يجعله حدثين منفصلين.

وقد لا أجانب الصواب إذا قلت للشعرية أساليبها البليغة،ومؤثراتها المهمة في تفعيل الرؤية الشعرية في القصائد الحداثية المعاصرة،لاسيما حين تمتلك قوة الدلالة المكتسبة من شعرية الأساليب وتنوعها وغناها الجمالي بالتقنيات الفنية المعاصرة،فالشعرية -بالتأكيد-تثيرها الأساليب الشعرية المتطورة،ومحفزاتها الإبداعية الفاعلة في تكثيف الرؤية الشعرية،وتعميق منتوجها الإيحائي المؤثر.

في هذا السياق بالتحديد،تتجلى الرؤيا الإبداعية الخلاقة التي ترتقي بالنسق الشعري،وترقى بمستويات مؤشراته الجمالية للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي،الذي أوحت لي قصائده المذهلة (أزعم أني اطلعت على الكثير منها )

وهنا أقول للقارئات الفضليات والقراء الأفاضل : لا ترتقي الرؤيا الجمالية إلا بمنتوج جمالي، وشكل جمالي جذاب؛وهذا التفاعل والتضافر بين الإحساس الجمالي والشكل الجمالي هو الذي يرقى بالحدث الشعري،ومثيراته الجمالية..

وهذا ما تجلى بوضوح لا تخطئ العين نوره وإشعاعه في جل قصائد د-طاهر مشي :

وهذه واحدة من قصائده المدهشة..فأضبطوا أنفاسكم قليلا :

هل أستّفيق ْ؟ومتى أُفيقْ؟

إنّي أسير بلا هُدًى وَحدي

ظلّت خُطاهَا النَّفْس فَارَقْت الطّريقْ!

نفَقٌ يُعيقُ مسيرَتي وظلامُ

يوحِي بإنّهُ جدّاً سحيقْ

إنّي لأوغِلُ في الدُّجى

وأرَى بأنّي ….كالغَريقْ

بيَدي أشاوِرُ للنّجاةِ وأبتغي

أحَداً مُغيثُ،يَكُون لِي الرفيقْ

زادَ العناءُ عليّ أبْدُو غارِقاً

والقلبُ خوْفاً للضّياعِ بِهِ حريقْ

أينَ الحبيبُ وأينَ مؤنِسُ غُربَتي؟

سُبُل بِها مَصْلُوبة رُوحي تضيقْ

أتُراهُ حُزْنِي للغيابِ يلُفّني

هل..أستَفيقْ ؟

ومَتى..أ ُفيقْ؟

طاهر مشي

أترك للسادة القراء حرية التفاعل مع هذه اللوحة الإبداعية التي نحتتها بمهارة واقتدار أنامل

الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

على سبيل الخاتمة :

اعتمد الشاعر أسلوب بسيط ومتميز.والشعر ليس في تعقيد اللغة.بل اجمل وأفضل الالوان الشعرية تلك المكتوبة بلغة يفهمها الجميع.ورغم ان الشعر لايستعمل اللغة المباشرة فتأمل الكلمات ولألفاظ الواردة في القصيدة تظهر الرمزية واضحة بين مقاطعها ومعبرة بشكل أفصح عن مواقف ظاهرة.

ماذا يعني هذا؟

هذا يعني أن الشاعر فنان يرسم لوحة تشكيلية بالكلمات لن يتذوق جمالها إلا عاشق الجمال. والناقد مرآة من زجاج مجهري يظهر ذلك الجمال لضعاف البصر في شاشة الشعر.والقصيدة كهف من الكنوز والنقد الادبي مفتاح ابوابه.وبواسطته يمكن للقارئ الولوج إلى مخازن القصيدة والاغتراف من معادنها النفيسة.

وهنا أضيف :

القصيدة-في تقديري-هي عبارة عن حلم عميق لا شعوري،يجب قراءة هذا الحلم بما يتناسب مع كمية الجمال المنبعث من داخله،وتقديمه بصورة تكشف للمتلقي جميع مغاليقه،وتشير الى مواطن الجمال فيه،والإمساك بيد المتلقي وأخذه الى ضفاف هذا الحلم.لذا على الناقد ان يقوم بتفكيك وإعادة تركيب وقراءة الأفكار فيه حتى يصل الى معرفة الغايات التي جعلت من الشاعر يصرّح بمكنونات ذاته،والغوص في اعماق هذه الذات.

وإذن؟

تناوبت إذا في هذه القصيدة السردية التعبيرية للشاعر التونسي السامق د-طاهر مشي لغة التجريد واللغة التعبيرية والسرد المشحون بالزخم الشعوري،وبلغة قاموسية بألفاظ تعكس ما في روح الشاعر وما في روح القصيدة،فخلق لنا بذلك صوراً حيّة برّاقة وببوح عميق.

وأخيرا أتمنى مزيدًا من العطاء والإبداع والتألق المتواصل للشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي.

اخر الأخبار