"التنظيم الدولي" للإخوان: وأيديولوجيا النفي والعنف (8/8)

تابعنا على:   08:13 2022-11-30

سليم يونس الزريعي

أمد/ وفي إطار هذا الدور لجأت تلك الجماعة إلى الحشد والتخريب الداخلي ؛ عبر استهداف الإنسان من أجل تغييب وعيه خدمة لأهدافها السياسية ؛ وذلك عبر منظومة دعاوية وإعلامية ؛ بأن لجأت حركة الإخوان المسلمين إلى تزيين الواقع ، و أن تعمد إلى تغيّيب الحقيقة وبشكل قسري ؛ إذا ما كان ذلك يخدم مشروعها للسلطة ، يقينا منها أن الناس يجب أن تصدق ما تقول ، مهما كان ذلك القول مجافيا للواقع ؛ حتى وإن جاء بشكل فج أحيانا ؛ وذلك بالاتكاء على ما تحاول ضخه من دعاية ؛ من أنها لا تقارب إلا الصواب والحقيقة المطلقة كونها تمثل الإسلام .
وأي متابع لما تقوم به تلك الجماعة ، يجد أنها تصيب وتخطئ كغيرها من القوى ؛ غير أن المشكلة هنا هو أنها لا تسلم بأنها قد تخطئ ، بل إنها تصر على أنها هي من يمسك باليقين سياسيا كان أو اقتصاديا أو فكريا ؛ وتلك في الجوهر هي مشكلة حركة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية ؛ وكل الأحزاب الدينية ؛ في أي مكان من العالم .
فأن يكون الحزب ربانيا ، فهو هنا قد قطع صلته بالآخر ابتداء ، وأصبح وسيطا أو وكيلا عن الله ، وهو من ثم الوكيل الذي لا يمكن لأحد حزبا أو قوة سياسية أو اجتماعية أن تخطئه ؛ أو ترفض ما يقول به ؛ لأنها تصبح عندئذ خارج دائرة " الإيمان " ؛ لأن معيار تظهير الإيمان لدى تلك القوى ؛ هو أن تأخذ بما تقول باعتبارها الحقيقة أيا كان ما تقول سواء كان له علاقة بالواقع أو حتى بالعقل من عدمه .
ذلك أن تلك القوى لا تعرف العقل ، أي العقل المفكر ، وتريد من الناس عوضا عن ذلك العقل ، أن يكونوا بمثابة آلات مسيرة واجبها الشرعي كما تُظهر لهم هي ، هو أن يصدقوا بل وأن يؤمنوا بما تقول ، وحشر دور العقل في ذلك الحيز الضيق ، الذي يبعده عن وظيفته ، وهي التفكير والبحث والفحص والاستنتاج والقياس والاستدلال عبر العقل النقدي باعتباره مفتاح البحث عن الاقتناع ؛ في مقاربته للحقائق بعيدا عن التلقي السلبي الذي يصادر دور العقل العاقل .
ومن أجل ذلك مارست دور تغييب الوعي ؛ عبر خطاب ترجعه إلى مصدره غير البشري من أجل مواصلة استلاب عقول الناس ، خاصة في تلك المجتمعات التي ما زالت تعيش الحالة الأبوية على الصعيد النفسي والاجتماعي ؛ في إدارتها لحياتها ، حتى لو لم يكن هذا هو الواقع الموضوعي في ظل الحراك الاجتماعي الذي طبع العالم وخاصة المنطقة العربية بطابعه خلال النصف الثاني من القرن العشرين ؛ وبين أقصى حدود الترهيب ؛ وكذلك الترغيب تجري عملية إنتاج يقينيات تهرب من مواجهة واقعها ، إلى ذلك النعيم الأخروي التي تُوعد به .
ولعل أخطر ما تقوم به تلك الجماعة التي فرخت العديد من القوى السياسية ، هو في قيامها بالتقاط الشباب في سني المراهقة الغضة ، وقبل أن تتبلور اتجاهاتهم الفكرية من أجل توجيههم نحو وجهة محددة عبر حملة تلقين هي في تضاد مع فعل العقل النقدي؛ الذي من شأنه أن يكوِّن شخصية الإنسان ، وذلك عبر تجاوز العقل الفردي إلى البحث عن عقل جماعي عبر نموذج قائم يجب تمثله مهما كان مجافيا للواقع ، ولذلك يجري صياغة عقل ينكر أي نماذج حياتية أخرى معاشة في الواقع ؛ لصالح نموذجه الذي اقترن بذلك الأساس غير البشري في كل أبعاده .

هذه الحالة من استاتيكية العقل ، تعمل في إطار تلك الدائرة المغلقة من اليقينيات التي يصعب معها تصور وجود نماذج أخرى صالحة في الحياة ؛ يمكن أن تكون خيارا واعيا للناس ، ولذلك فإنها تتعامل مع تلك النماذج وفق شرط الضرورة ، ولكن على قاعدة أنها تعمل على نفيها في الواقع ، ارتباطا بأنها قد نفتها في العقل والذاكرة مسبقا ، حيث ما من مساحة لأي شيء آخر باستثناء نموذجها الذي يبدو وحده مفتاح أي مقاربة مع الآخرين .
وشرط الضرورة ذاك يعتبر شرطا مؤقتا بالنسبة لها ، ولأن الأمر كذلك فإنها قد تضطر إلى التعامل مع الآخرين وفق ما تعتبرها " التقية " ؛ كضرورة تفرضها المصلحة ؛ لكن جوهر فكرها وممارستها ، ينطلق من عدم الاعتراف بالآخر مطلقا ، وعدم الاعتراف لا ينطلق من سبب دنيوي ، بل إنه يتأسس على بُعد إيديولوجي أحادي الجانب ، كون تلك القوى تعتبر نفسها الوحيدة التي تملك الحقيقة ، التي يجب أن تسود ، وهو الهدف الذي تعمل من أجله ، وهو هنا تكليف شرعي ؛ هي من حددت زمانه ومكانه وإطاره وأدواته ، ومساحته ، وهو هنا ممتد ولا نهاية له .
هذا الواقع يعني بالضرورة التناقض مع الآخر أو الآخرين ؛ الأمر الذي يجعل من تصرفات تلك القوى في إطار المشهد العام ، مشوشة وأحيانا متناقضة ، وأحيانا مصلحية بامتياز ، تحاول أن تغلف كل ذلك بخطاب تبريري دعاوي من السهل قبوله وتصديقه بل والتعبئة به ؛ لدى من استطاعت أن تصادر عقلهم النقدي ؛ لصالح عقل يقف دوره فقط عند التلقي ؛ دون أن يفكر، وهو لذلك مستعد في ظل حضور الغرائز عبر عملية الشحن الأيديولوجي أن يصبح بمثابة كائن بشري يسيره عقل آخر في ظل غياب عقله الذي تم استلابه تماما لصالح العقل " النموذج " الذي يجب أن يطاع فقط .
وهي لا تتورع عن فعل أي شيء من أجل تغليب نموذجها المفترض باعتباره أمرا مبررا شرعا ؛ كونه النموذج الفوق بشري كما يقول أصحابه ، الصالح لكل زمان ومكان كما يروه هم ؛ ومن أجل الوصول إلى ذلك لا بأس من استثمار الآليات الديمقراطية ، كأحد الخيارات ؛ إذا ما عجزت عن الاستيلاء على السلطة عبر العنف ؛ وصولا إلى هيمنة نموذجها ؛ وساعة تصل إلى ما تريد ؛ فإنها عندئذ ستغادر تلك الآليات ؛ لأن دور تلك الآليات كان فقط في إيصالها لما تريد وحسب ، خاصة بعد أن استطاعت أن تقيم نموذجها الفوق بشري كما تقول ، الذي لا يجب أن يخضع لما هو أدنى منه ؛ أيا كان النموذج الآخر .

لأنه من غير الشرعي بالمعنى الديني عندئذ ؛ أن يتم تغيير هذا النموذج الفوق بشري ؛ إلى نموذج آخر بشري ؛ كون غاية ما تعمل عليه تلك القوى هو إقامة ذلك النموذج النهائي كما تعتقد ؛ ولأنه كما تقول نهائي فلا معنى أو مجال عندئذ ، لما يسمى ب" لعبة الديمقراطية " ؛ وما يسمى بتبادل السلطة ، خاصة وأن السلطة المستندة إلى الإرادة الإلهية قد أقيمت ولا مجال لتبديلها ، حيث لا مجال عندها لأي وجود سياسي خارج نطاق تلك الدائرة المغلقة بإحكام ، والشواهد على ذلك في إيران وأفغانستان والسودان ( الترابي ) ، كما هو أيضا في غزة.
ولذلك لا يمكن أخذ ما تدعيه تلك القوى بأنها مع التداول والديمقراطية ، إذ كيف يمكن لها أن توافق على استبدال نظام فوق بشري ، بما هو أدنى منه ؛ أي بنظام بشري ، لأنها إن فعلت ذلك ؛ فإنها تناقض نفسها وجوهر مشروعها ؛ وما عبأت به أنصارها ؛ من أن نموذجها يجب أن يسود ، بسبب أنه غير بشري ، ومن ثم فإن أي تراجع عن استمرار هذا النموذج ؛ يعني نفي كل الأسس الشرعية التي قام عليها المشروع ، فهل يمكن تصور أن تقوم تلك القوى بذلك ؟
ولأنها لا تستطيع أن تناقض نفسها ، فمن الطبيعي والحال تلك أن تتنكر لكل دعاياتها السابقة حول الشراكة وتبادل السلطة ، باعتبار أن ذلك كان حاجة تفرضها المصلحة والهدف الأساسي ؛ ولذلك فإنها لن تتورع عن استمرار فرض نموذجها ولو بالقوة ، وعبر الترهيب المادي والفكري دون روادع ؛ لأنها تعتبر أن كل ما تقوم به هو تقرب إلى الله وتنفيذا للشريعة .
ومن ثم فإنه لمن بؤس القراءة والتقدير تصور أن تقوم تلك القوى باستبدال نظام فوق بشري كما تقول بنظام بشري ، على أساس أن تحقيق الأول كان انتصارا للحق ، كونه إعادة الأمور إلى نصابها ، ولذلك فإن أي محاولة لتغيير ذلك الواقع عبر صناديق الاقتراع وفق ذلك الفكر ؛ هو حرف للأمور عن نصابها ؛ وبما يخالف الشروط الشرعية ، والسؤال هل ستقبل تلك القوى بذلك ؟
وإنه لمن السذاجة من بعد ؛ التقدير أن أي قوة تتبنى هذا الفكر يمكن أن تفرِّط فيما تعتبره إنجازها السياسي والفكري ، أي " أسلمة المجتمع " ؛ لأنها هنا قد ربطت المجتمع بها وبوجودها ، وعليه فإن أي نكوص للمجتمع عن الشروط التي أقامتها يعتبر خروجا عن الشرع ، وهو الخروج الذي يجب أن يواجه عندئذ بالعنف من قبلها ، لأن غاية المجتمع كانت قد تحققت بوجودها كنظام وتنظيم ، كما تعتقد ، وهو اعتقاد يتم إرجاعه إلى شرط النص الديني الذي لا تجوز مناقضته تحت أي ظرف كان .
وهنا تتراجع السياسة لصالح الإيديولوجيا؛ إلى جوهر مشروعها الذي لا يقبل الآخر ؛ إلا كما تريده أن يكون ؛ وإلا فالنفي وبكل الوسائل ، وفيما نعتقد فإن ذلك هو جوهر الموقف السياسي والفكري لحركة الإخوان المسلمين .
المصادر
1ـ الدكتور رفعت السعيد ، الأهرام العدد 2374 عن مقالة بعنوان [ العنف‏ ‏من‏ ‏النشأة‏ ‏حتي‏ ‏الآن‏...‏رؤية‏ ‏تاريخية‏)‏ .
2 ـ الدكتور رفعت السعيد ، الأهرام العدد 43853 ؛ السنة 131، بناريخ 30/12/2006م ، عن مقالة بعنوان "
3ـ جريدة الشرق الأوسط ، 11568 العدد ، 31 / 7/ 2010
وثائق العلاقات الخارجية لجماعة الإخوان "
4 ـ الدكتور رفعت السعيد عن مقالة بعنوان " التنظيم الدولي للإخوان " ، الأهرام ، العدد 43958 السنة 131 ؛ بتاريخ 14/4/2007 م .
5 ـ موقع «إسلام أون لاين»،
6 ـ مجلة العصر ـ( شبكة المعلومات الدولية )
7ـ وكالة الأهرام للصحافة ، ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٣.
8 ـ و كالة الأهرام للصحافة ، ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٣
9، موقع القرضاوي ( شبكة المعلومات الدولية )
10 ـ عماد سيد أحمد ، صحيفة المصري اليوم ، 11/ 11/ 2009
11 ـ الموسوعة الحرة ( شبكة المعلومات الدولية )
12 ـ موقع قناة الجزيرة ( شبكة المعلومات الدولية )
13 ـ صحيفة المصري اليوم ، الخميس 17 صفر 1430هـ - 12 فبراير 2009م
14 ـ صحيفة الشرق الأوسط ، العدد9943
15 ـ د أحمد صبحي منصور ، ِِشجرة -الاخوان المسلمين- زرعها السعوديون فى مصر فى عهد عبد العزيز آل سعود.
موقع مكتبة الحوار المتمدن
16ـ صحيفة الرأي الأردنية ؛ الأربعاء 09 شعبان 1428ه ـ 22 أغسطس 2007 م
17 ـ موقع وكالة سما للأخبار 12/2/ 2010
18 ـ صحيفة الحياة ـ لندن 15/4/‏1995

اخر الأخبار