أحمد مناصرة.. ضحية ذنب لم يقترفه

تابعنا على:   15:17 2022-09-24

شيماء ناصر الدرة

أمد/ 300 يوم لم أكن أعرف فيهم ليلي من نهاري في غرفة لم تتعدى المترين تحت الأرض لا تصلح للعيش الآدمي صدقيني يا أمي لا ترى الشمس وفيها الرطوبة عالية ورائحة العفن لا تطاق والحمام بداخلها وجدرانها سوداء والإضاءة لمبة صفراء، وباب الغرفة بأسفله شباك لإدخال الطعام،

 ويتم إعطائي  منومًا في الصباح و المساء ، صوت أقدامهم وهي تلاطم الأرض لتعلن أني مازلت على قيد الحياة، كل شئ هناك يدفعنا إلى الجنون... من صبر نجا ومن تخلى عنه جن.

منذ ذاك اليوم وأنا أحيا حياة لم أخترها، قادني إليه ذنب لم أقترفه، مازلت لم أتذكر سوء جثمان حسن و صرخات من ألم،، وأن أسمى أمنيات أن يمر يومي دون غرفة التحقيق والجلادين، هل هم وحوش أم سفاحين، هل ولدوا من أم وأب، أم شيطانية وإبليس؟ حتى يفعلوا بي ما فعلوا؟

 فلم يكتفِ الاحتلال باعتقالي وإطلاق الرصاص عليا من مسافة الصفر،

واستمرت فصول المجزرة بحقي بعد ذلك، حيث تم نقلي إلى المستشفى ومكث في العناية المركزة لعدة أيام فقط، ولم ينتظر الاحتلال ان يتم شفائي وأن أتعاف فقاموا بنقلي الى مركز التحقيق وهناك تعرض للعديد من اساليب التحقيق القاسية  كوني "قنبلة موقوتة" تم شبحي وتنكيل بجرحي  وكل ما هو محرم دوليا، و بينما أجمع الأطباء أن ذاكرتي خذلتني لكسور بجمجمتي يوم دهسني ذاك المستوطن لأرضنا فباتت "أيقونة الطفولة الفلسطينية  المغتصب" يوم تقيئت وجعاً "مش متذكر".. لم يعجب محقق اعترفي ولم يغفر لي جرحي وبراءة طفولتي.

لم يكتف الاحتلال بسلسلة الجرائم التي تعرض لها،  إنما اتخذ قرارًا بتدميري بعمليات غسيل دماغ، حيث تم نقلي إلى أقسام الجنائيين، وتم عزلي لفترة طويلة وكان الاحتلال يقيد إحدى يدي  وإحدى قدماي  في جدار الزنزانة لمدة تزيد عن 24 ساعة، وهو ما كان يضطرني لقضاء حاجتي على نفسي.

وحُرمت من رأيت أمي وأبي لأعوام، ويوم سمح لي قابلتهم من وراء الزجاج ولوقت قصير، عانقتُ الهواء، كاد قلبي أن يقف من الفرح، ويلعن  بكل قهر المحتل كيف يغتال الفرح بكل مرة؟؟

في عام 2015، ومع بداية "الهبة الشعبية" تصاعدت عمليات الاعتقال بحقّ الأطفال تحديدًا في القدس، ورافق ذلك عمليات تنكيل وتعذيب ممنهجة، وكنت أنا جزءًا من الذين يواجهون ذات المصير.

أنا  مناصرة طفل بيت حنينا شمالي القدس الشرقية المحتلة، الذي اتهمه الحاكم العسكري بتنفيذ عملية الطعن مع ابن عمي حسن في مستوطنة "بسغات زئيف"، أصيب فيها مستوطنان، حكم علي بالسجن 12 عامًا، وخفّف الحكم لاحقًا إلى تسع سنوات ونصف.

لم يكف عن الأذى بعد، أتاحت المحكمة للمحامي بالنظر في ملفي ونقلي إلى لجنة خاصة بتصنيف ملفي، بعدما أعلنت  قرارها في الثالث عشر من أبريل 2021 المتمثل بتصنيفه ضمن قانون الإرهاب.

فمر علي قطار العمر فشبت هناك في أروقة السجن لم أعد ابن رابعة عشر ولم أكبر لأصل العشرين، يقول أطباء أني أعاني من تورم دموي يسبب لي صداعًا شديدًا وآلامًا حادة، وأمراض نفسية وعصية، واكتئاب حاد مصحوب بأفكار انتحارية.

سمع صوتي ربي... وتمكنت الشبكة الفلسطينية العالمية للصحة النفسية وطاقم الدفاع القانوني  بعد جهود كبيرة من إدخال طبيب نفسي فلسطيني لي، ومازال العالم أجمع يساندني ويحاول رفعي من بين خفاقيش الليل.

سيبقى الطفل في صدري يعاديكم... مازالت تنتظرني العصافير وتوتة الدار وملابس طفولتي، وألعابٌ اشتريتُها لم ألعب بها .. وأمي ترتل على روحي القلقة المعوذتين.. اشتقت لأهلي وبيتي وحريتي.

اخر الأخبار