حق الشعب الفلسطيني النضال من أجل تحقيق مطالبه

المؤرخ "جوني منصور": لا يمكن للمؤرخ أن يقف جانبا وينتظر قدوم الحلول

تابعنا على:   12:47 2022-06-07

أمد/ بيروت- حاوره لطيفة محمد حسيب القاضي:
لا يمكن للمؤرخ أن يقف جانبا وينتظر قدوم الحلول
أننا نميل إلى التواصل التاريخي الزمني
القاموس مؤسس على رواية فلسطينية تفصيلية بالأسماء والتعريفات بها
والحديث هنا عن فلسطين مرتبط بقوة بالمكونين التاريخي والجغرافي.

الدكتور جوني منصور مؤرّخ وجغرافيّ فلسطيني ، متفرّغًا للبحث والكتابة.  حيث أن سيرته حافلة بمغامراته العلمية والبحثية، وقائمة كتبه تطول لتصل إلى مستوى يصعب فيه تصديق أنها عمل رجل واحد.

من يطالع كتبه سيخال أن وراء كلّ منها كتيبة من الباحثين، لكن الأمر ليس كذلك، فهي فعلًا ثمار جهد رجل واحد متنسك لأجل الكتابة عن فلسطين، ليس المدن والقرى وحسب، بل عن كل شيء يخص فلسطين  .

الدكتور جوني منصور من مواليد حيفا، فلسطين في ٢٥ من ديسمبر عام 1960. ومقيم فيها مع عائلته، حاصل على الدرجة الثالثة في تاريخ الشرق الأوسط دكتوراه

متخرج من كلية الاستشراق، سانت بترسبرغ ـ روسيا، ومحاضر لموضوع التاريخ في كلية الجليل، وشغل في السابق منصب مدير وحدة بنك المعلومات في مدار ـ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية.

شارك في العديد من المؤتمرات والندوات، وهنا سوف نتحدث في هذا اللقاء عن "القاموس التاريخي الفلسطيني " الذي صدر حديثًا باللغة الإنجليزية عن دار "راومان"للنشر في الولايات المتحدة الأمريكية وهذا القاموس من تأليف المؤرخ الفلسطيني د.جوني منصور والمؤرخ اليهودي البروفيسور إيلان بابيه.
المعجم يعرف بفلسطين في العصر الحديث ويشتغل على شخصيات وأحداث ومواقع فلسطينية تاريخية وبينهما أحداث وشخصيات إسرائيلية صهيونية.
المعجم يشتمل على مختلف الكيانات الجيوسياسية ويتحدث المعجم مع فلسطين كوطن مقسم إلى ثلاث أجزاء الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل .

-١ لقد صدر لك مؤخرا "القاموس التاريخي الفلسطيني "عن ماذا يتحدث القاموس، وما الهدف الأساسي من إصدار المعجم؟.
د. جوني منصور : يتطرق القاموس التاريخي لفلسطين لمجموعة من المواضيع، مثل: أعلام، اتفاقيات ومعاهدات، أحداث تاريخية مركزية في مسيرة التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر، وكذلك إعلام صهيونية واسرائيلية ذات علاقة مباشرة بالتاريخ الفلسطيني من خلال تداخلها بالصراع الإسرائيلي/الصهيوني – العربي/الفلسطيني. أما الهدف الأساسي من وراء إصدار هذا القاموس فهو تعريف القارئ العربي عموما الذي يعيش في الغرب، وخصوصا في الدول الناطقة بالانجليزية وايضا القارئ غير العربي على القضية الفلسطينية بكافة عناصرها المفاهيمية من خلال نصوص تنقل الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيو إسرائيلة 
- أشتركت مع البروفسور"إيلان بابيه"في إنجاز هذا العمل التاريخي .من هو "إيلان بابيه"؟
د. جوني منصور : البروفيسور إيلان بابيه هو محاضر جامعي في جامعة أكستر في بريطانيا، ويشغل أيضا مدير معهد الدراسات الإسلامية والعربية في الجامعة ذاتها. وهو مؤلف أشهر كتاب عن حرب العام 1948 في فلسطين تحت عنوان "التطهير العرقي في فلسطين" والذي ترجم إلى عشرات اللغات ولاقى انتشارا واسعا في كافة أرجاء العالم. والكتاب ترجم إلى العربية. ونحن الاثنان نعمل في مجال البحوث التاريخية المتعلقة بالنكبة الفلسطينية مستندين إلى الوثائق التاريخية سواء الاسرائيلية أم العربية والأجنبية، وكذلك نقوم من مدة طويلة بتجميع شهادات شفوية من كبار في السن او ممن عاشوا فترات ما بعد النكبة لفهم تداعيات النكبة على حياتهم وواقعهم السياسي والاجتماعي والثقافي. ووجدنا المشترك فيما بيننا في هذا المجال، إذ انه إيلان بابيه مؤرخ فعال ونشيط وغير حبيس في البرج الجامعي الأكاديمي. ومناصر للقضية الفلسطينية بالكامل. ودفع فاتورة قاسية لمواقفه هذه، إذ تم إبعاده عن جامعة حيفا حيث كان يعمل فيها حتى العام 2008. وكما نقول:"رُبَ ضارة نافعة". وهذا الحدث ساهم في تشكيل وعيه التام للقضية الفلسطينية كونها قضية عادلة وإنسانيّة من الصف الأول. 
- لماذا كانت الشراكة ؟
د. جوني منصور : نحن نعتبر القضية الفلسطينية محور أبحاثنا. لا نعمل من أجل الكتابة التاريخية فقط، بل من أجل نشر العدالة وتحقيق المساواة والمصالحة التاريخية. لا يمكن للمؤرخ أن يقف جانبا وينتظر قدوم الحلول لذلك عليه طرحها مستندًا إلى التاريخ. وهذه أمور مشتركة بيننا . لهذا وجدنا أن نقوم معا بنشاط بحثي هام بنشر قاموس تاريخي فيه إعادة صياغة المفاهيم التاريخية المتعلقة بفلسطين وشعبها في مواجهة الرواية والنصوص التاريخية الصهيونية والاسرائيلية النافية والمنكرة لوجود الشعب العربي الفلسطيني وحقه في وطنه وأرضه.
- لقد عدتم في "المعجم الفلسطيني التاريخي " إلى العصور ما قبل التاريخ وصولًا للعصر الحديث. ماذا أردت أن تقول بالعودة إلى  التاريخ؟
د. جوني منصور : نحن لم نعد إلى عصور ما قبل التاريخ إلا في سياق التسلسل الزمني (الكرونولوجي) لتشكيل صورة متكاملة عن تاريخ فلسطين وربط التاريخ الحديث والمعاصر منذ مائتي عام مع التاريخ القديم. وهذا يعني، أننا نميل إلى التواصل التاريخي الزمني لتأكيد الحضور والوجود الفلسطيني. فالتاريخ الحالي غير منقطع عن تسلسل الأحداث السابقة له وصولًا إلى ما قبل التاريخ.
 
- أنت قلت : "  إن القاموس عمل موسوعي يحتوي على رسائل سياسية "ما الرسائل التي تريد أن توصلها للقارئ؟
د. جوني منصور : من أبرز الرسائل السياسية هو تمسكنا بالثوابت الفلسطينية ومن أبرزها بل في مقدمتها الاعتراف بحق العودة واعتباره حقا مشروعا وفقا لما شرعته الشرعية الدولية. وإن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أرضه والعيش بكرامة في أرضه ووطنه. ورسالة أخرى نقلناها عبر القاموس ان المفاهيم السياسية والتاريخية والثقافية بالرغم من أنها متأثرة بالفعل السياسي إلا أنها تعكس طموحات الشعب الفلسطيني ورغباته الحياتية. أضف إلى ذلك، أن النصوص المحبوكة بالمفاهيمية الفلسطينية كالأسماء الفلسطينية الأصلية للأماكن تتصدى لعمليات العبرنة والتهويد والأسرئيلة. وهذه خطوة هامة لبناء قاموس مؤسس على رواية فلسطينية تفصيلية بالأسماء والتعريفات بها.
- إنك قلت بأن: التاريخ لا يكرر نفسه" هل يوجد برأيكم حل موحد للقضية الفلسطينية؟
د. جوني منصور : نعم، التاريخ لا يكرر ذاته. من المحتمل أن تكون الأحداث متشابهة وقريبة من بعضها البعض. لكن نحن نتحدث عن قضية صراعية ونضالية. صراعية بأنها تواجه مشروعا استعماريا غربيا يهدد واقع ومستقبل الشعب الفلسطيني. ومن حق الشعب الفلسطيني النضال من أجل تحقيق حقوقه على أرضه وضمان وجوده ومستقبله.هناك عدة حلول وليس حلا واحدًا ان أرادت الأطراف المعنية. لكن، وفي ظل غياب أي حل فعلي، وخصوصا انتهاء فكرة حل الدولتين. يمثل أمام العالم حل الدولة الواحدة وليس على الطريقة الإسرائيلية المتمثلة بالأبارتهايد.
-القاموس يغطي مختلف الوحدات والكيانات والجيوسياسية التي تم إنشاؤها على مدار الزمن في فلسطين؟
د. جوني منصور : بدون أدنى شك، أن القاموس يتماشى مع العامل الزمني الذي ترك أثره على فلسطين عبر الأزمة كافة. وكذلك التطرق إلى الدول والأنظمة الكيانية التي تشكلت في فلسطين أو في محيطها.
 
- لقد قلت :"أن القاموس كُتِبَ من وجهة نظر غير محايدة "  كيف كان ذلك؟
د. جوني منصور : نعم، نحن الأثنين لسنا محايدين. فالتاريخ وفق اعتقادنا ليس موضوعا حياديا بالمطلق. فكيف الحديث عن قضية تخصنا و تمثلنا. لهذا، نحن غير محايدين بالمطلق. لكننا نسعى إلى عرض القضية من وجهة نظر تاريخية فلسطينية، وهذا حق فلسطيني مشروع. إذ نرفض فرض الرواية الاسرائيلية المدعومة من جهات عدة. الفلسطينيون تعرضوا ولا زالوا إلى سلسلة من الحروب ومنها الحرب على الرواية . ولأن الرواية هي تثبيت للحق، فإننا نتعامل معها من منطلق النص التاريخي الذي نعتقد أنه يساهم في تثبيت الحق ومواجهة هذه الحرب بأدوات علمية وبحثية.
- هل القاموس موجه للقارئ الأجنبي حيث أنه صدر باللغة الانجليزية؟
د. جوني منصور : القاموس موجه للقارئ والباحث الأجنبي الذي يتعامل مع اللغة الإنجليزية كلغته أو لغة أبحاثه. وهذا ما يميز عملنا، أننا ننقل رواية فلسطين بلغة مفاهيمية ملتزمة بالثوابت الفلسطينية دون تملق أو تلميع. وهذا انكشاف جديد أمام جهات كثيرة في العالم مالت إلى تقبل الرواية الصهيو اسرائيلية فقط وفرضها. لهذا، نحن نقول توجد رواية فلسطينية ولها مكان محترم بكونها تنقل خبرة وتجربة الشعب الفلسطيني الذي تحمل ويتحمل مشروع استعماري خبيث.
- يحتوي القاموس على مصطلحات واسماء وشخصيات ومؤسسات صهيونية ولقد أستخدمت عند كتابتك للقاموس السردية الفلسطينية...ما الهدف من ذلك ؟
د. جوني منصور : من خلال اعتمادنا على عرض هذه الاصطلاحات والمفاهيم، لا يمكن تشكيلها من مكونات فلسطينية فقط. فالصراع مع الصهيونية ومع إسرائيل يفرض على الباحث النجيب ان يتبنى مفاهيم ومصطلحات غير فلسطينية ومنها الصهيونية والاسرائيلية ذات العلاقة بالصراع وطبيعته. والهدف هو جعل القارئ يربط بين تاريخه وتاريخ قضيته من خلال التوسع في دوائر التعريف لفائدته الواسعة. وللتوضيح أننا لا نهدف إلى نشر الاصطلاحية الصهيونية، فنحن نقرأ التاريخ الصهيوني والإسرائيلي بعيون فلسطينية وليس بعيون صهيو إسرائيلية بالمرة. نحن نرفض الرواية الصهيو إسرائيلية بالكامل. لنا روايتنا ونتمسك بها كأحد الثوابت المركزية.
- هل الحل هو أنه يجب أن يشمل الجغرافية والديمغرافية الفلسطينية؟
د. جوني منصور : بكل تأكيد. الحل الدائم يجب أن يشمل الجغرافية والديموغرافية حفاظا على حضور ووجود الشعب الفلسطيني الذي يُشكل اليوم (2022) أكثر من 50% من التعداد السكاني لفلسطين التاريخية.
وهذا يعني ان الشعب الفلسطيني هو الذي سيقود الحل في نهاية المطاف لصالح فلسطين ومواطنيها  اجمع.
- تم اختيارك للمفاهيم المتنوعة والأحداث والمواقع الفلسطينية والشخصيات التي لعبت دوراً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً في تاريخ فلسطين. ما هي الرسالة التي تود إيصالها للعالم؟
د. جوني منصور : نود أن نقول للعالم أن الشعب الفلسطيني صاحب إنجازات في قطاعات مختلفة من الحياة عبر الزمن منهم رجال سياسة واجتماع وثقافة واختراع ونساء ظهرن بقوة في خدمة المجتمع الفلسطيني. وحتى بعد تشتت الشعب الفلسطيني حافظت شرائحه على مستويات راقية من الإبداع الخلاق وتقديم مساهمات طيبة لخدمة المجتمع الفلسطيني والعالم أجمع. أضف إلى ذلك أننا أردنا الحفاظ على تزويد القارئ بالمعلومات والمعرفة عن مواقع فلسطينية تعرضت إلى الهدم والترحيل والطمس المحو. وعمليا نحن نحافظ على المسميات، ونوفر المعلومات المطلوبة لنقول مقولة: أن هنا كان شعب حي ونشيط وفعال ومتفاعل وله حضارة وثقافة وإنجازات. وهذا يدحض المقولات بأن هذه الارض كانت خالية. إنما كانت فلسطين عامرة بأبنائها وبناتها ورجالها ونسائها عبر الزمن. وكان لهؤلاء مساهمات انسانية مشهود لها في كل مكان وفي كل زمان.
- هل التاريخ والجغرافيا الفلسطينية واحد؟
د. جوني منصور : التاريخ هو الأحداث الزمنية ويتعامل مع المحور الزمني السائر المتدفق غير المتوقف. أما الجغرافية فهو موضوع المكان. والعنصران مرتبطان معا. أي الزمان والمكان. والحديث هنا عن فلسطين مرتبط بقوة بالمكونين التاريخي والجغرافي. الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو على المكان من خلال رواية فيها
الزمان هو العنصر المكون والمؤسس له.

- ما العمل المستقبلي الذي يلي المعجم؟
د. جواني منصور:  إن العمل الذي نقوم به حاليا وسيستغرق عدة سنوات هو حول حالات النزوح الداخلي في فلسطين خلال العقد الأول من بعد النكبة، أي بين 1948 - 1958 وذلك لفهم تعاطي المجتمع الفلسطيني الباقي في وطنه مع النازحين الذين وفدوا إلى القرى والبلدات الباقية في فلسطين، وبوجه خاص في شمالي فلسطين، أي في منطقة الجليل. و سنعتمد على وثائق أرشيفية ومقابلات شفوية وعمل ميداني واسع لمسح انتشار النازحين او كما يسمون بـ "مهجرو الداخل".