سقوط قانون "المواطنة" في أراضي 48 .. الدلالات والتداعيات

تابعنا على:   16:23 2021-10-18

أمد/ تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

مقدمة

في أولى جلسات الكنيست الإسرائيلي للائتلاف الحكومي الجديد الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة، بتاريخ 6 تموز/يوليو 2021، تم التصويت على مجموعة قرارات من ضمنها "قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقت)"، الذي فشل الائتلاف في تمريره، وسجل التصويت تعادلًا في النتيجة، وحصل القانون على دعم 59 عضو كنيست، فيما عارضه 59 آخرين؛ ما يعني إسقاط القانون الذي عرف باسم آخر هو "منع لم الشمل"، لأوّل مرّة.[1]

سُنّ القانون - الذي تقول الحكومة الإسرائيلية إنه لاعتبارات أمنية - العام 2003، ويصوّت الكنيست سنويًا على تمديده، ويعرض عليه بشكل روتيني كلّ عام. وبموجبه "يمنع لم شمل العائلات بين الفلسطينيين في أراضي 48 والفلسطينيين مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الدول التي تعدّها إسرائيل (دولة عدو) وهي سوريا ولبنان والعراق وإيران".[2] أي يمنع منح الجنسية لأزواج وزوجات الفلسطينيات والفلسطينيين، وبالتالي تمنع إقامتهم سويًّا داخل أراضي 1948.

سيفسح الفشل في تمرير القانون المجال أمام العائلات الفلسطينية لإجراء لم الشمل مع ذويهم مرحليًا، لكن ربط ذلك بموافقة وزارة الداخلية الإسرائيلية وجهاز الأمن العام، يُعقّد من فرصهم في الحصول على "مواطنة دائمة" في ظل تصريحات إيليت شاكيد، وزيرة الداخلية، التي تعهدت في حديث لهيئة البث العبرية، بإعادة طرح القانون للتصويت بالكنيست في الأسابيع القليلة المقبلة، وسبق لها أن صرّحت بأنها "لن توافق، من موقعها كوزيرة للداخلية، على طلبات لم شمل العائلات الفلسطينية".[3]

يحمل الفشل في تمرير قانون تجميد "جمع الشمل" العديد من الدلالات والتداعيات، باعتباره الاختبار الأول لحكومة نفتالي بينيت-يائير لابيد، ويعكس عمق الأزمة داخل الائتلاف بين مؤيد ومعارض، ويفتح تساؤلات حول مدى قدرته على الصمود واستمراريته في الحكم. وبالإجمال، فإن هذا الفشل قد تقابله ممارسات وقوانين أشد عنصرية؛ الأمر الذي قد يشعل الخلافات داخل الائتلاف الحكومي، بشكل يمكن أن تستغله المعارضة، بزعامة رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، في محاولاتها لحجب الثقة عن الحكومة وإسقاطها.

قانون المواطنة .. محطات من التقييد

صيغ قانون المواطنة إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية العام 2000، بناء على توصية من الأوساط الأمنية؛ لمعاقبة الفلسطينيين من أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة، الذين يحملون الهوية الإسرائيلية؛ بدعوى مشاركتهم في الانتفاضة، وقد مرّر الكنيست الإسرائيلي، في تموز/يوليو 2003، بشكل فعلي، قانون المواطنة ومنع الدخول إلى (إسرائيل) بشكل مؤقت، كما مدّد سريان مفعول القانون مرّات عديدة، على الرغم من إقراره بالأصل كقانون عقابي مؤقت لسنة واحدة فقط.

تنص مسودة القانون بالقراءة الأولى على أنه "يحظر منح أي جنسية أو مواطنة لفلسطينيين من المناطق التي احتلتها إسرائيل العام 1967 -الضفة الغربية وقطاع غزة- المتزوجين من مواطني إسرائيل". بينما أعيدت صياغة القانون بالقراءة الثانية العام 2007، عبر إدخال بعض الإضافات، وقد صادق الكنيست على قانون جديد يُشدد الحظر المفروض على لم الشمل للعائلات التي يكون أحد الزوجين فيها فلسطينيًا من الأراضي المحتلة العام 1967، وتمت إضافة إجراءات أكثر صرامة على لم الشمل، شملت كون أحد الزوجين من سكان أو مواطني البلدان المُعرفة وفق القانون الإسرائيلي بـ "دول معادية"، وهي: لبنان، سورية، العراق، إيران.

وأُضيف إلى القانون عند القراءة الثالثة العام 2008، قرار للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت)، تضمن فرض قيود جديدة متعلّقة بسكان قطاع غزة؛ لاعتباره "جهة معادية". وفي منتصف العام 2015، قررت لجنة الكنيست أن يتم تداول قرار التصويت من لجنة الخارجية والأمن والداخلية والبيئة، وطُلب من كل وزارة تقديم توصياتها. ومنذ إقرار القانون حتى العام الماضي 2020، كانت الحكومة تعقد جلسات للبحث في مسألة تمديد العمل به في الكنيست، وفي نهاية كل جلسة كان يتم التصويت على ذلك.[4]

عنصرية ضد العائلات الفلسطينية

تُبقي "إسرائيل" على أكثر من 65 قانونًا يميز ضد الفلسطينيين عنصريًا، إذ تعدّ الفلسطينيين أقلية عربية داخل أراضي 48، ويدلّ ذلك على سياسة التمييز العنصري الراديكالي التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في أراضي 1948 في جميع المجالات، كإحدى أدوات مشروعه الاستعماري القائم على العنصرية كحجر أساس، وبخاصة أن القانون تم منع تمريره بشكل مؤقت، وهو خاص فقط بالفلسطينيين، علمًا أن عدد طلبات لم شمل العائلات الفلسطينية من أراضي 1948 بلغ 45 ألف طلب.[5]

ومنذ العام 2003، تصارع العائلات الفلسطينية لتجتمع بذويها من التجمعات الفلسطينية داخل أراضي 1948، لكنها تصطدم بقانون "منع الشمل" لدواعٍ عنصرية ديمغرافية، بينما هو في حقيقته يتماهى مع نهج الفوقية الإثنية اليهودية، كما يبين قانون القومية.

يُعدّ قانون "منع لم الشمل" موضع تأييد من أحزاب الائتلاف الإسرائيلي الجديد، باعتباره من وسائل وإجراءات تحجيم الوجود العربي في أراضي 1948، لذلك كانت تسعى حكومة بينيت لتمديد العمل بالقانون، علمًا أنه قانون مؤقت يتم تفعيله سنويًا بعد مناقشة الإضافة عليه، لذا، فإن سقوطه لأوّل مرّة، سجّل كفشل أول لهذا الائتلاف داخل الكنيست.

في المقابل، صوّت الليكود ضد القانون، على الرغم من أنه كان في مقدّمة الأحزاب الإسرائيلية التي أوجدته، وصوتت لصالح تمديده طيلة أعوام، لكن تبدّل موقفه بهدف حجب الثقة عن الحكومة بينيت، ومحاولة إحراجها في الجلسات الأولى للكنيست، إلى جانب إبراز قوة "المعارضة الجديدة" داخل الكنيست، وإظهار أن الليكود لا يزال مؤثرًا في المسار السياسي، علمًا أن الأغلبية التي صوّتت ضد القانون، تتشكّل من حزب الليكود والأحزاب الدينية الحريدية، بينما جاء تصويت أعضاء الكنيست العرب في الأحزاب الإسرائيلية، والنواب العرب عن القوائم العربية على النحو الآتي:

القائمة المشتركة: أحمد الطيبي، عوفر كسيف، أسامة السعدي، سامي أبو شحادة، أيمن عودة، عايدة توما (جميعهم ضد).

القائمة الموحدة: وليد طه، منصور عباس (كلاهما مع)، أما مازن غنايم، وسعيد الخرومي (فامتنعا عن التصويت).

حزب ميرتس: عيساوي فريج، غيداء ريناوي (كلاهما مع).

ويظهر أن امتناع النائبين غنايم والخرومي عن التصويت على القانون، بخلاف المسار التصويتي لبقية نواب "القائمة الموحّدة"، كان من الأسباب التي قادت إلى فشل الائتلاف الحكومي في الحصول على الدعم الكافي لتمريره، وتمديد العمل به. بينما اعتبرت "المشتركة" أن "القانون يسيء يوميًا لعشرات آلاف العائلات الفلسطينية والأطفال"[6]، فيما اعتبرت تصويت النائبين عباس وطه انعكاسًا لحالة الاختلاف بين النوّاب العرب في الكنيست.

دلالات منع تمرير القانون

يحمل فشل الكنيست في تمديد العمل بقانون منع "لمّ الشمل" العديد من الدلالات السياسية، وهي على النحو الآتي:

عدم استقرار الائتلاف الحكومي الجديد وهشاشته، فقد مثّل القانون والفشل في تمريره، أول اختبار للحكومة، وعكس بصورة واضحة حجم الاختلاف بين مكونات هذا الائتلاف، وبينما تحاول الحكومة الظهور بعكس ذلك، فإن عملية المراهنة على ذلك ضعيفة؛ لأن الاستقرار داخل الائتلاف هو نتاج تكتلات وصفقات غير مضمونة.

التعقيدات الأيديولوجية والقومية التي تطفو على المشهد السياسي الإسرائيلي، حتى لدى كتلة المعارضة برئاسة بنيامين نتنياهو، الذي فشل في تجنيد أغلبية 61 من أعضاء الكنيست لتشكيل الحكومة.

حجم ومستوى التحدّيات التي تواجه حكومة بينيت ومدى قدرتها على الصمود أطول فترة ممكنة في الحكم، في ضوء عدم تماسك الائتلاف القائم، وتربّص المعارضة به، إضافة إلى أن قدرتهم على نيل ثقة 61 عضوًا لتشكيل الحكومة، لم تعد، بعد الفشل في تمرير قانون المواطنة.

الفشل مستقبلًا في تمرير جزء من القوانين العنصرية للسلطات الإسرائيلية التي تسعى من خلالها إلى محاربة الوجود الفلسطيني، فقد جاء قانون المواطنة ضمن سلسلة من القوانين العنصرية التي صادق عليها الكنيست خلال السنوات الماضية، منها، قانون "التخطيط والبناء" الذي يسرّع في هدم البيوت غير المرخصة، وقانون "تسوية الاستيطان في يهودا والسامرة"؛ لسرقة وتهويد الأراضي في الضفة الغربية، وقانون منح المستوطنات ميزانيات تفضيلية أسوة بالبلديات، وقانون حقوق الطالب، الذي يمنح نقاطًا في التعليم الأكاديمي لجنود الاحتياط، بينما أخطر هذه القوانين، وأشدها عنصرية، تمثل في "قانون القومية" الذي أقره الكنيست، بتاريخ 19 تموز/يوليو 2018، بأغلبية 62، ومعارضة 55، وامتناع نائبين عن التصويت، الذي يؤكد على "أن أرض إسرائيل التوراتية هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي".

تداعيات إفشال "المواطنة"

لن تقف تأثيرات القانون عند محطة الفشل في تمريره، بل ستكون له العديد من التداعيات، التي يمكن إجمالها بالآتي:

تكريس الأزمة السياسية وتعميق الخلافات بين الأحزاب الإسرائيلية، التي ستتعامل مع هذا الفشل كوصفة لإثارة مزيد من المشاحنات، حيث إن تشتت الوضع السياسي الإسرائيلي جعل من إسقاط القانون أداة لإضعاف الائتلاف الحكومي الجديد، وفي المقابل ضمان إبقاء التعقيدات والعراقيل في وجه الفلسطينيين بطرق أخرى.

ومن المهم الإشارة إلى أنه بعد سقوط القانون، وعلى الرغم من تحويل الملف إلى وزارة الداخلية والأمن العام، تمت الموافقة مباشرة على 1600 طلب لم شمل من أصل 45 ألفًا"[7]، دون أي معايير واضحة تبرز سبب الموافقة عليها، وبالنظر إلى عدد الطلبات التي تمت الموافقة عليها مقارنة بالأصل.

كما تمّ إبرام صفقة بين السلطة الفلسطينية والمخابرات الإسرائيلية، حيث صرح حسين الشيخ، رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية، بأنه "تم الاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية على منح خمسة آلاف جمع شمل للعائلات الفلسطينية دفعة أولى؛ على طريق إنهاء هذا الملف بالكامل، في إطار جدول متفق عليه".[8]

وتتضح هنا حالة الغياب والتماهي في معايير الموافقة والرفض الواضحة في سياسة الحكومة الإسرائيلية، والعراقيل التي ينوي الاحتلال وضعها أمام لم شمل العائلات الفلسطينية، وقابلت هذه الحالة أسئلة عدة أهمها: لماذا الصفقات في ظل سقوط القانون؟

يشكل الفشل فرصة لدى المعارضة السياسية بقيادة نتنياهو لزيادة الهجوم على الائتلاف الحكومي، واللعب على وتر الهشاشة وعدم استقراره، واقتراح مزيد من القوانين التي تحرج حكومة بينيت، وتؤدّي إلى تفككها.

اجترار قوانين عنصرية بديلة تمرّر ما فشل به "قانون المواطنة"، وتؤدي المصلحة الإسرائيلية منه، حيث تبدو الخشية واضحة لدى العائلات الفلسطينية خلال الفترة المقبلة، من إمكانية إقرار "قانون الهجرة" مثلًا، في ظل تصريحات الحزب المعارض اليميني حول ذلك، الذي اعتبر أن "قانون المواطنة مليء بالثقوب، وأنه يجب إقرار قانون الهجرة الذي يمنع بشكل واضح عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم".

كما صرّح نتنياهو خلال الدورة الصيفية للكنيست الرابعة والعشرين: "نحن نعرض عليكم بكامل المسؤولية، ونعرض على الائتلاف، قانون أساس الهجرة الذي سيمنحنا مرة واحدة وللأبد السيطرة على حدود دولة إسرائيل"، علمًا أنه تمت قراءة قانون الهجرة بالقراءة التمهيدية، ولم يتم التصويت عليه إلى الآن.[9]

زيادة نفود وزارة الداخلية والأمن العام الإسرائيلية كردّ فعل على الفشل في إسقاط القانون، وستشدد التضييق على العائلات العربية تحت مزاعم "الخطر الأمني"، وتتضح حالة المماطلة والعراقيل التي تعتزم سلطات الاحتلال وضعها أمام لم شمل العائلات الفلسطينية.

تحقيق التواصل الجغرافي والديمغرافي بدرجة نسبية بين الفلسطينيين المقيمين بين شقّي الخط الأخضر، على الرغم من محاولات سلطات الاحتلال المستمرة لمنع ذلك، وإبقاء الفصل، واستمرار تفسّخ العائلات الفلسطينية وتشتتها.

خاتمة

إن الفشل في تمرير قانون المواطنة لا يعني نهاية الأمر، حيث إن هناك إمكانية لعودته بأشكال أخرى، كما ظهر في تعهد إيليت شاكيد بطرحه للتصويت مرة أخرى خلال الأسابيع المقبلة، وهذا يعني بالضرورة خطورته القائمة على العائلات الفلسطينية، في ضوء التداعيات المترتبة على إسقاطه، كما أن فشل الحكومة في تمديده لا يمنع استمرارها، لكنه يفاقم صورة ضعفها، وينذر بتحديات داخلية تنتظر حكومة بينيت.

لكن، بالمجمل، فإن استمرار الائتلاف الجديد بهشاشته الحالية، سيخدم الوجود العربي في أراضي 1948، ويخفف نسبيًا من حدّة القيود المفروضة عليهم، وقد لا تكون الكنيست قادرة على المصادقة على مزيد من القوانين العنصرية، بل الفشل ربما في تجديدها، لكن من المهم العمل على الاستفادة من كل تفكك داخلي إسرائيلي في خدمة تماسك العائلة الفلسطينية وقوّتها.

الهوامش

** ما يرد في هذه الورقة من آراء تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] الكنيست الإسرائيلي يُسقط قانون "لم الشمل"، وكالة سند للأنباء، 6/7/2021: bit.ly/3xKXi60

[2] بعد إسقاطه .. ما هو قانون "المواطنة" الإسرائيلي؟، وكالة الأناضول، 8/7/2021: bit.ly/2T5GRlW

[3] المصدر السابق.

[4] قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقت)، المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل "عدالة": bit.ly/2WSiedP

[5] العفو الدولية: الاحتلال استخدم القوة المفرطة ضد الفلسطينيين قتلًا واعتقالًا وهدمًا وتشريدًا، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 7/4/2021: bit.ly/3yqQb2Z

[6] المشتركة تقول انتصار كبير .. الكنيست يفشل في تمرير قانون لم الشمل، وكالة معا الإخبارية، 6/7/2021: bit.ly/3r2V3IW

[7] الكنيست يسقط قانون المواطنة: الموحدة توافق على تمديد منع لم الشمل، عرب 48، 6/7/2021: bit.ly/3BFPjsD

[8] تصريح حسين الشيخ، رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية، عبر صفحته على تويتر، 30/8/2021: bit.ly/38IdKsQ

[9] نتنياهو: الحكومة لا تستطيع تمرير قانون المواطنة لأنها مرتبطة بجهات غير صهيونية وتعارض إسرائيل كدولة يهودية، الكنيست الإسرائيلي، 6/7/2021: bit.ly/3juG5rT

كلمات دلالية