خالد مشعل ولقاء العربية: مقارباتٌ لا بدَّ منها!!

تابعنا على:   10:37 2021-07-10

د. أحمد يوسف

أمد/ سيظل خالد مشعل من أفضل من يُعبِّر عن فكر حركة حماس السياسي؛ باعتباره من أبرز المُنتجٍين للكثير من هذا الفكر والمُنظّرين له، وكونه من جيل الطلائع الأولى من الإسلاميين، الذين ظهرت أسماؤهم كنشطاء في الجامعات خلال فترة السبعينيات والثمانينيات، مثل: موسى أبو مرزوق وفتحي الشقاقي وإسماعيل أبو شنب وإبراهيم المقادمة وآخرون، ثم ارتبطت فعاليات حركيتهم التنظيمية بالحالة النضالية الفلسطينية، وكانوا وراء تأسيس الفعل المقاوم مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين.

كان الأستاذ خالد مشعل والدكتور موسى أبو مرزوق شخصيتين لا تغيب ملامح بصماتهم عما استجد من اطروحات تتعلق بالحالة السياسية الفلسطينية وفكر حركة حماس المشبَّع بثقافة الجهاد والمقاومة، كما أن الأستاذ مشعل الذي قاد الحركة لعقدين من الزمن كان من أصحاب الرؤية والإيمان العميق بأن المعركة مع الاحتلال الإسرائيلي هي قدر ومصير، وأن القدس والأقصى هما خطوط حمراء لا يمكن المساومة على تحريرهما أو العبث بانتمائهما الفلسطيني العروبي والإسلامي.

اليوم؛ يتبوأ الأستاذ خالد مشعل رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، وهو شخصية مخضرمة تمثل مدرسة في أدب السلوك الإسلامي، وتتمتع بالكثير من حب واحترام إخوانه في حركة حماس وبين الكوادر الإسلامية في هياكلها وتنظيماتها الإقليمية وحواضنها وفعالياتها العالمية، ويحظى كذلك على مستوى الوطن المحتل بتقدير قيادات وفصائل العمل الوطني، كما أن النخب الحركية والفكرية ونشطاء المجتمع المدني تنظر إليه كرجل دولة في مواقفه السياسية وحيويته الحركية، وتعاملاته بِنفسٍ وروح وطنية وأخوية عالية مع الكل الفلسطيني.

لقاء العربية: خطوة في الاتجاه الصحيح

كان لقاء قناة العربية بتاريخ 4 يوليو 2021 مهماً، وقد نال إعجاب الكثيرين فيما حمله من رسائل وإشارات إيجابية.. أولها؛ إنها إطلالة في اتجاه لكسر الجليد مع السعودية، وهذا "فألٌ حسن". ثانياً؛ إن اللقاء وضعه على منبر إعلامي مناوئ لحركة حماس، ليقول من خلاله رأيه ويعبر عن مواقف حركته في اسئلة الآخر، الذي قد لا يكون متعاطفاً معها أو كان محجوباً عنها، وتدور أسئلته في سياق التشكيك والطعن بولاءاتها تجاه أمتها وانتمائها العروبي، وبذلك منحته الفرصة والوقت ليضع الكثير من نقاط التوضيح عما التبس من الحروف والكلمات الغامضة فيما يخص علاقة الحركة بإيران وتركيا، والتي تظهر لهما بعض دول الخليج الكثير من الخصومة والتحامل والتحريض.

نعم؛ لقد سبق للأستاذ خالد مشعل أن تناول بعض ما تمَّ طرحه من تساؤلات حول مسألة الانتماء والعلاقة بحركة الإخوان المسلمين، وأوضح بجلاء حقيقة هذا الارتباط التاريخي من ناحية الفكر والأيدولوجيا، والذي تربت وتنامت عليه أجيال عربية وإسلامية، وخرجت من تحت عباءة الانتماء إليه أحزاب وقوى سياسية وحركات تُعد كوادرها بالملايين، وتنتشر مؤسساتها وجمعياتها ودعاتها في مشارق الأرض ومغاربها.

 لقد أكد الأستاذ خالد مشعل خلال المقابلة على أن هذا الفكر "الإخواني" لا يمثل قيداً على معتنقيه، حيث إن حركات النضال والثورة لها –عادة- مرجعيات فكرية وأخري تنظيمية، وأنَّ لكل بلد خصوصيته التي تمنحه حرية الرأي والاختيار والمرونة في اتخاذ لقرار، وفقاً لمتطلبات المرحلة والتحديات التي تُفرضها، فالجبهة الشعبية –مثلاً- كانت في نشأتها تنتمي لحركة "القوميين العرب"، ثم تباعدت مساحات اللقاء بينهما حين تجلَّت ملامحها النضالية والفكرية في هويتها الفلسطينية وتبنيها لنهج الكفاح المسلح في وجه الاحتلال الصهيوني.

فحركة حماس من حيث النشأة، وفي سياق المنظار التاريخي لجذور الحركة وأصولها الفكرية تعود لحركة الاخوان المسلمين، كون مؤسس وزعيم هذه الحركة الإمام حسن البنَّا (رحمه الله) هو من أوائل الدعاة الذين نادوا بتحرير الأرض التي باركها الله للعالمين، وقام بزيارة لقطاع غزة ليتعرف على أحوال أهل فلسطين قبل النكبة، وأرسل لتحريرها من الغزاة المحتلين طلائع شباب مصر من الإسلاميين، وقد ظل هؤلاء أوفياء للقضية، وساهموا في تعبئة وتحفيز شعوب الأمتين العربية والإسلامية لدعم نضالات أهل فلسطين، وعملوا من خلال امتداداتهم التنظيمية على حثِّ الأنظمة الرسمية علي المساهمة في جهود إغاثة وتشغيل اللاجئين، ودعوا إلى تنمية وتطوير المخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعملوا على تعزيز قدرات المقاومة مالياً وعسكرياً.

لا شكَّ بأن هذا التاريخ المضيء سيبقى أمانة في أعناق الفلسطينيين، ولا يمكنهم التنكر له أو التبرؤ منه.. إن الجميع يعلم بأن حركة حماس تتمتع بحرية التعبير عن مواقفها واستقلاية قرارها، وأن علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي قائمة على شكر كل من أسدى لها معروفاً ودعمها بالمال والسلاح والموقف، وهي لا تحابي أحداً، وتحرص على الحفاظ على مسافة متساوية مع الجميع، وتنأي بنفسها وبخريطتها النضالية عن سياسة المحاور والتحالفات؛ باعتبار أن تحرير فلسطين هي مسألةٌ تحتاج إلى جهد الجميع، كونها تمثل القضية المركزية في وجدان الأمة، وأن القدس والأقصى هما مسؤولية الكل العربي والإسلامي.. ولذا، فإن نهج حركة حماس وتوجهاتها هي الابتعاد في مواقفها عن أجندات هذه الدولة أو تلك، وهي تدرك بأن طبيعة الصراعات القائمة في المنطقة تؤثر بشكل سلبي على القضية، وأن الاصطفاف له خطورته على مستقبل القضية الفلسطينية بشكل عام، وخاصة إذا ما انحرفت البوصلة، وتاهت سفينتنا في بحرِ ما استشرى من الخلافات العربية- العربية والعربية – الإسلامية.

إن خالد مشعل الذي عرفناه لعقود، هو رجل دولة بامتياز، وخطابه السياسي ليس بغرض المناكفة بقدر ما هو العمل لإظهار مواقف الحركة وتوازن سياساتها، من حيث العلاقة مع الجميع، فالسعودية هي بلد عربي لها وزنها الإسلامي وثقلها السياسي ومكانتها على مستوى الأمة وجغرافيا المنطقة، ولحماس رغبات حقيقية ومساعٍ أخوية جادة لعودة العلاقة لما كانت عليه من تناصر وتناصح  لم تغب بركاته أو تنقطع إلا منذ خمسة أو ستة سنوات تقريباً.

تركيا وإيران: ونظرية حجر الزاوية

إن علاقة حركة حماس بدولة إسلامية مثل إيران أو تركيا هي كسب كبير للقضية الفلسطينية، وكون إيران وتركيا اليوم لهما خلاف عارض أو عميق مع بعض دول المنطقة، فهذا لا يتطلب من حماس أن تقطع علاقتها مع أيٍّ منهما.. فدولة مثل إيران أو تركيا هما الأقوى اليوم في المنطقة، ومواقفها تجاه القضية الفلسطينية تتجاوز الشعارات إلى النُصرة والتأييد.

إن الحقيقة التي لا يمكن حجبها بغربال الادعاء والدجل، هي أن من يحاول شيطنة تركيا وإيران هي إسرائيل، مستعينة –للإسف- ببعض دوائر الرسميات العربية،  التي تدور في فلك السياسة الأمريكية، وأن فلسطين لم تعد بالنسبة لها إلا ورقة للمساومة، بهدف شراء صكوك الحماية الغربية لأنظمتها السياسية.

لقد أوضح الأستاذ خالد مشعل أن العلاقة مع كل من تركيا وإيران ليست في سياق التبعية أو الاصطفاف، بل تأتي لتمتين عُصبة "سنشد عضدك بأخيك".. ففي الوقت الذي تحاول فيه السعودية والإمارات البحث عن إنفراجات في العلاقة مع تركيا وإيران ترتفع أصوات تطالب حماس بالابتعاد عنهما!!

خالد مشعل.. القيادة ومتطلبات المرحلة

أخي أبا الوليد.. كما تعلم بأن السياسة ليست ملعباً للهواة، وهي تحتاج إلى فائض وعي وذكاء في عالم السياسة، وإلى حاوٍ يلعب بالبيضة والحجر، وأن على حركة حماس أن تظل أبوابها مشرعة للمراجعات، وإن هناك الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام بانتظار من يقدم الإجابات.

لقد استبشرنا بعودتك لإمساك الخطام وقيادة الركب، وإننا لنرجو أن يكتب الله على يديك مخرجاً، فما زال الضوء في نهاية النفق بعيداً، وهناك الكثير من المقاربات عليك الاجتهاد مع إخوانك على صياغتها حتى لا تنتهي رحلة الخلاص بنفق آخر في نهاية الضوء!!

اخر الأخبار