هبة القدس وفلسطين 1948 ..؟

تابعنا على:   16:15 2021-05-25

المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الإستراتيجية

أمد/ "رؤية تحليلية"

مقدمة:                                                                            

المظاهرات التي شهدتها مدن الداخل الفلسطيني وقراه، شكلت صدمة كبيرة للوعي الإسرائيلي من جهة، كما شكلت رافعة نضالية لمجمل المشهد الفلسطيني على كل جبهاته، كانت تلك المظاهرات بمثابة فشل وافشال لسياسات عنصرية إسرائيلية تراكمت على مدى عشرات السنين.

هناك أسباب عديدة تقف وراء تلك المظاهرات، وبغض النظر عن أسبابها ودوافعها، لكنها بالتأكيد محطة هامة للتعرف على مآلاتها، لأنها تطرح بقوة السؤال حول العلاقة المستقبلية بين النظام الإسرائيلي وبين الشعب العربي الفلسطيني في مناطق 48. فيما يلي محاولة لتلمس شكل هذه العلاقة ومضمونها ومستقبلها أيضاً.

العلاقة الملتبسة بين النظام الإسرائيلي والأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل:

- قبل أن يعلن عن قيام إسرائيل، فإن الحركة الصهيونية استطاعت أن تنسج بعض العلاقات الخاصة مع بعض العشائر وبعض الطوائف وبعض الشخصيات وحتى بعض القرى، اما بالتخويف أو بالاغراء ابو كليهما.

- ومنذ عام 1948 وحتى عام 1966، فرضت اسرائيل حكما عسكريا على كل التجمعات الفلسطينية وعملت على أسرلة كل شيء، الحياة اليومية والتعليم والعمل وحتى اللغة، ومنعت معظم النشاط السياسي والثقافي في أوساط الفلسطينيين إلا ما كان يصب في خدمة إسرائيل.

- عبر الفلسطينيون عن اتجاهاتهم السياسية من خلال الاحزاب الصهيونية مثل حزب راكاح وحزب مباي وكان تأثيرهم السياسي بلا وزن تقريباً.

- تغير الحال مع ظهور أحزاب عربية تقليدية، عشائرية وجهوية منذ أوائل الثمانينيات وقد بدأ ذلك عبد الوهاب دراوشة الذي كان أحد أعضاء حزب العمل، فاستقال من الحزب احتجاجاً على سياسة إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في انتفاضة عام 1987، ومن ثم أسس أول حزب عربي تقتصر عضويته على العرب تحت اسم الحزب الديموقراطي العربي وذلك سنة 1988 الذي رفع شعار الصوت العربي للنائب العربي، وظل دراوشة رئيساً للحزب حتى سنة 2009.

- بدأ بعد ذلك ظهور الأحزاب العربية الخالصة أو العربية اليهودية المشتركة، وذلك في تنامي لقوة وتأثير الجماهير العربية الفلسطينية في صنع القرار الإسرائيلي.

- كان هناك حركات سرية ونصف علنية تعمل في أوساط الفلسطينيين ولكنها لم تشارك في انتخابات الكنيست من منطلق ايديلوجي صارم، وقد بدأ نشاط تلك الحركات مبكراً منذ الستينيات مثل حركة أبناء الأرض ومن ثم أبناء البلد التي ما تزال ناشطة حتى الآن. هذه الحركات خارج الاعتراف الرسمي الإسرائيلي وتتعرض للاعتقال والمطاردة.

- تطور النشاط السياسي الفلسطيني في الداخل المحتل وتعمق أكثر فأكثر بظهور أجيال متعلمة ومثقفة، ولهذا تطور الطرح السياسي، من فكرة "<الدولة لكل مواطنيها" التي نادى بها عزمي بشارة من خلال حزب أسسه تحت اسم حزب التجمع الوطني الديمقراطي، او من خلال رفض النظام كله وعدم التصويت او الترشح كما فعلت الحركة الاسلامية الجناح الشمالي منها بالذات. وكان ذلك بمثابة تعمق الشعور القومي والديني لدى الفلسطينيين في مناطق 1948.

- ترافق ذلك مع تصاعد اليمين الاسرائيلي منذ اوائل الثمانينيات وعمل على بث خطاب الكراهية وممارسة العنصرية ضد الفلسطينيين من خلال كثير من القوانين وقوانين الاساس التي تحد من النشاط السياسي والثقافي للشعب الفلسطيني في الداخل. وكل ذلك على خلفية تردي العملية السياسية مع السلطة الوطنية الفلسطينية.

- يقع الفلسطيني في الداخل عادة ما بين مشاعر متناقضة ما بين الدولة التي يحمل جنسيتها والقومية التي يعرف نفسه بها. هذا التناقض ادى فيما ادى ايضا الى التعارض في بعض الاحيان ما بين نضاله السياسي وبين نضاله الاجتماعي.

- اسرائيل عادة ما تعترف بالفلسطينيين داخلها كأفراد وليس كجماعات ولهذا عملت على تقسيمهم الى ديانات وقوميات، فالمسلمين طوائف والمسيحيين طوائف، ثم خلقت قوميات اخرى داخل كل ذلك، فهناك العربي والدرزي والشركسي والبدوي والأرثودوكسي والكاثوليكي وعمقت الخلافات بين تلك الفئات من خلال الاعتراف بخصوصيتهم الثقافية.

- تفجر الوضع عموماً بين النظام الاسرائيلي وبين الفلسطينيين في الداخل سنة 2000 اثناء انتفاضة الاقصى، حيث ادى الاشتباك بين جماهير ام الفحم بالذات وبين الشرطة الى استشهاد 13 شهيد. ومنذ ذلك الحين اشتدت مظاهر الخطاب التحريضي ومضامين الكراهية، وتحول الفلسطينيون بنظر السياسة والاعلام الاسرائيلي الى طابور خامس.

- اعتماد النظام الاسرائيلي على ابعاد الفلسطينيين عن تشكيل الحكومة منذ بداية التسعينيات وذلك لإضعافهم وافقادهم القدرة على صنع القرار وكذلك لسيطرة اليمين الديني والقومي في اسرائيل.

- بسبب هذه السياسات الاقصائية شكل الفلسطينيون في الداخل لجنة عربية عليا تهتم بشؤنهم وتمثلهم اجتماعيا وسياسيا، وتضم في عضويتها رؤساء البلديات والمجالس القروية العربية، وقد عملت هذه اللجنة على تنظيم المظاهرات والمطالبات ورفع الصوت عالياً ضد سياسات السلطة الحاكمة.

- بسبب شعور الفلسطينيين في الداخل المحتل بفقدان التأثير على القرار السياسي الاسرائيلي وخصوصاً بعد عام 1994 فقد لوحظ زيادة كبيرة في نشاطهم السياسي والثقافي والاجتماعي خارج الكنيست، فأقاموا الجمعيات والمدارس والمعاهد وأصبح لهم اعلام وصحافة خاصة بهم.

- زادت حدة المواجهة بين النظام السياسي الاسرائيلي وبين الفلسطينيين بعد قانون اساس "يهودية الدولة" وتخفيض رتبة اللغة العربية، وكذلك قانون "كيمنتس" وكذلك هدم البيوت بحجة عدم الترخيص وتقليص الميزانيات وعدم الدمج في سوق العمل وتقليل مخصصات التأمين... إلخ..إلخ.

- ازدادت حدة التمييز العنصري وتجريد الفلسطينيين من املاكهم وكذلك نسبة البطالة بشكل غير مسبوق.

- شعور الفلسطينيين ان اذرع الامن الاسرائيلي تعمل ضدهم من خلال دعمهم للجريمة ونشر السلاح وعدم ملاحقة المجرمين.

اسباب الهبة الاخيرة:

1. تراكم الاحساس بالاهمال والتهميش والاقصاء في سوق العمل والهيكليات والميزانيات والبطالة وازدياد نسب الفقر وعدم البناء والتوسع فيه.

2. قرارات مست بشكل مباشر بالموارد والثروات والممتلكات مثل قانون كمينتس.

3. ضعف الاحزاب في تمثيلهم والدفاع عن قضاياهم.

4. استفحال خطاب العنصرية والتمييز العنصري ضدهم في وسائل الاعلام ومن زعماء اليمين.

5. ازدياد الشعور القومي والديني لدى الفلسطينيين داخل اراضي 48.

6. اهانة الاقصى في توقيت حساس، خصوصا ان فلسطينيي 1948 إعتادوا تنظيم الزيارات الاسبوعية الى الاقصى، وقد شاركوا في كل اشتباكات الدفاع عنه وخصوصا البوابات الالكترونية.

7. يجب ان نشير هنا الى ان كثيرا من الشهداء سقطوا من فلسطينيي 1948 منذ عام 2015 وحتى 2021 خلال عمليات بالغة التعقيد وقد اتهم بعض هؤلاء الشهداء انهم يعملون لصالح تنظيمات خارجية.

اساليب اسرائيلية لاحتواء الهبة:

عملت اسرائيل من اجل احتواء الهبة على ما يلي:

1. اعتقالات واسعة شملت حوالي 1500 شخص.

2. محاولة الايحاء ان الشرطة قامت بواجبها من خلال اعتقال بعض الزعران اليهود.

3. ترهيب الكثيرين من خلال الطرد من العمل او الحرمان من الحقوق العمالية المختفلة.

4. الاجتماع مع ممثلي الاقلية العربية الفلسطينية ومحاولة اغرائهم او استرضائهم او تخويفهم.

5. عملت بعض وسائل الاعلام الاسرائيلية مواد اعلامية حول التعايش والتعدد وتخفيف لغة الكراهية والتحريض.

6. التهديد والتخويف بزعران اليمين المتطرف لاظهار الامر وكانه حرب اهلية.

7. اظهار الامر باعتباره ضالا اجتماعيا وليس قوميا.

8. محاولة الفصل بين ما يجري في الداخل الفلسطيني وباقي ابناء الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

مستقبل العلاقة بين اسرائيل والشعب الفلسطيني في الداخل:

يمكن تلخيص مستقبل العلاقة كما يلي:

- سيبقى العرب الفلسطينيون في الداخل من أفقر طبقات او فئات المجتمع الاسرائيلي بسبب السياسات العنصرية.

- سيبقى شعور التناقض ما بين الانتماء للقومية والخضوع لقوانين اسرائيل وهو شعور يتم التعبير عنه في الادب والاعلام والزواج المختلط.

- ستبقى العلاقة بين النظام الاسرائيلي والفلسطينيين في الداخل مرتبط بالتقدم في العملية السياسية مع م.ت.ف.

- ستزداد محاولات التنظيم والتنسيق بين مكونات المجتمع الفلسطيني في الداخل لان تجربة القائمة المشتركة اثبتت نجاحها بشكل جزئي.

- سيزداد الاعتماد الذاتي داخل المجتمع العربي الفلسطيني.

- هناك احتمال لهبة جديدة اخرى في حال استمرت السياسات القديمة.

الاستنتاجات والتوصيات:

العلاقة المشتبكة والمتصادمة بين النظام الاسرائيلي والاقلية العربية ستستمر في المستقبل المنظور وذلك لتعثر العملية السياسية، وللخطاب العنصري والسياسات التمييزية وسيطرة اليمين الاسرائيلي على المشهد.

كما أن الهبة عملت على ما يلي:

- اضعاف شخصيات وزعامات ضعيفة اصلا مثل عباس منصور، رئيس القائمة الموحدة.

- اظهرت قيادات جديدة ميدانية.

- افشلت عمليات الاسرلة والتهويدية.

- طرحت فكرة الاستقلال الثقافي.

- امكانية محاكمة اسرائيل امام الهيئات الدولية.

- عملت على وحدة الشعب الفلسطيني وسقوط الخط الاخضر.

- اثبتت خطأ اتفاق اوسلو بعدم التعامل معهم باعتبارهم جزء لا يتجزأ من شعبنا.

- ضرورة تغيير العلاقة بين السلطة الوطنية وبين تلك الجماهير.

- ضرورة اشراكهم في العملية التفاوضية والحل النهائي.

كلمات دلالية