سيرة الشلبي والمطر - نص قصص

تابعنا على:   22:04 2020-11-27

محمد جبر الريفي

أمد/  يعيدني المطر دائما إلى أيام الشلبي والي زمن الشوارع والازقة . الترابية والاسطح الطينية التي تنبت عليها نبتة. الخبيزة. الخضراء الشهية التي كانت دائما تطلبها جدتي الحاجه عيشة لأنها تذكرها بجدي الذي كان يعتبرها طيخته المفضله في فصل الشتاء. اضافه إلى أكلة الشعرية بالسكر الذي كان يتناولها في الصباح.. . كلما تهطل الأمطار تتحول شوارع وازقة. الحارة . الي سيول جارفة. تأخذ معها كل ما هو على الأرض من أشياء مرمية فيخيل السيل. الكبير لي كأنه النهر الذي تمخر بمياهه مراكب شراعية صغيرة .وباقدامنا الحافية نحن أبناء الشوارع والازقة الصغار كنا نجري مع السيل حيث يجري قادما من جهة.الشرق حيث ارتفاع سطح. الأرض في حي الشجاعية. والمنطار إلى الغرب حيث انخفاضها حتى يصب في بركة. قمر التي كانت تقع في تلك الأيام قرب سكة. الحديد ومبنى الايبسي التابع للأمم المتحدة ويستمر في جريانه حتى يصل إلى بيارة ابي راس التي ينضج فيها الخس في فصل الربيع .. في السماء الملبدة بالغيوم فوق مأذنة مسجد السيد هاشم وفي الغرب منها بيارة قرقش التي أصبحت معقلا للفدائيين بعد احتلال القطاع عام 67 كان يظهر قوس قذح احمر فما أن نراه من سوق الحارة قرب مسجد الايبكي حتى نقفز فرحين مرددين باصواتنا الرفيعة : امطري وزيدي.. وعمنا حديدي وذلك استعدادا لجولة جديدة مع المطر وانتظارا لسيل جديد جارف من المياه يغمر الشارع فيتخطاه عند ذلك مؤذن المسجد الحاج إسماعيل بسرعة كي يرفع الأذان و كان الزهري التي تقع دكانه الصغيرة. المبنية من الطوب أمام المسجد اول القادمين للصلاة فما أن يصل إلي السيل الكبير الذي يجري قرب باب المسجد حتى يشمر قمبازه الأسود إلى قزب الركبة حتى لا تبلله المياه و بعد إتمام الصلاة حيث البرق وصوت الرعد القادم من جهة البحر يندفع مسرعا إلى قفل باب دكانه الخشبي الكبير عائدا إلى البيت في ذلك الزفاق الضيق المعتم المليء باعشاش العصافير والذي يسكن في آخر بيوته الطينية الصغيرة. الشلبي .. جاء محمد الشلبي إلى الزقاق من مخيم الشاطئ طفلا صغيرا يتيم. الأبوين تاويه عمته ام علي اليافاوبة الفتاحة ترعرع في بيتها وكان ينام قرب صندوقها الخشبي الكبير الذي يحوي ملابسها وملابس زوجها المرحوم ابو علي خاصة. سرواله الأسود الكبير الذي يشبه سراويل الصيادين في يافا وكذلك طربوشه وقمبازه الأبيض المخطط من القماش الحلبي الناعم . .. كبر الشلبي في بيت عمته وكان قد ترك المدرسة وهو في الصف السادس الابتدائي وأخذ يجر بكتفيه عربة خشبية. اشبه بصندوق كبير . وكان استعمالها شائعا في تلك الأيام يحمل بداخلها سلع أصحاب الدكاكين الصغيرة الذين يشترونها من محلات بيع الجملة في سوق الزاوية. أو من سوق فراس وكثيرا ما كان يحمل بضاعة دكان الحنجوري القريبة من المسجد ... في طيلة أيام الشتاء حيث لا يقدر الشلبي على مواصلة جر عربة الصندوق بكتفيه طول النهار لذلك غالباً ما كان يقف وحيدا بعد العصر قرب دكان الزهري أمام باب المسجد لاضاعة. الوقت وهربا من غرفة عمته ام علي العابقة بالبخور و التي عادة ما تكون في ذلك الوقت من النهار مقصدا للنساء اللاتي يطلبن منها قراءة الفنجال.. حقيقة لقد اشفقت عليه حين رأيته عصر ذلك. اليوم وكان البزد شديدا والرياح عاتية ومخبز الحايك القريب يوشك على الإغلاق حيث فرغ من الأولاد والنساء و الطبالي الخشبية المرصوص عليها أقراص العجين ليبدأ بعد ذلك ابو فتحي الخباز باخراج جمرات من نار الحطب من داخل الفرن لبيعها للناس بقصد تدفئة الغرف الطينية الباردة هكذا كانت أجواء عصر ذلك اليوم تقشعر الأبدان فاتجهت إليه وكان مطأطأ الراس وحين اقتربت منه رفع رأسه فبان لي لون عينيه العسليتين البراقتين الجميلتين وملامح وجهه الأبيض الناعمة وشاربه الخفيف الذي اشبه بخط اسمر رفيع رسمه قلم فنان ماهر فاحسست لحظتها انه كان ابن عز وان الزمن اللعين جار عليه باليتم. وأنه أيضا ما زال طفلا صغيرا بحاجة إلى رعاية المجتمع إضافة إلى رعاية عمته التي تؤيه في بيتها فقلت له وقد لفت نظري قميصه الخفيف الذي يرتديه بدون سترة فوقه تحميه من البرد : ماذا تنتظر هنا في هذا البزد يا شلبي وقد اعتاد أهل الحارة أن ينادونه بلقبه. فاجابني مبتسما انتظر المطر و السيل الجارف التي يأتي من جبل المنطار ويصب في بركة قمر ثم أخذ يحدثني عن عمله في سوق فراس وسوق غزة وعن شارع فهمي بك وعوامة ابي طلال الشهيرة وكذلك عن احمرار كتفيه وتورهما والمهما الذي بحس بهما في الليل الشتوي الطويل .. ذات يوم وانا بجانبه امام دكان الزهري تغير الجو فجأة قرب العصر منذرا بهطول المطر فقلت له هيا نذهب إلى البيت.. هيا يا شلبي لقد انقلب الجو والمطر يوشك أن يهطل وكان الزهري في تلك اللحظة قد اقفل نصف باب دكانه حتى لا تسقط قطرات المطر على أكياس شعر البنات الحلوة بالوانها البيضاء والحمراء التي يشتريها الأطفال و ما إن هم كل واحدمنا بالمشي ومغادرة المكان حتى بجنازة قادمة من بعيد إلى المسجد. وَباقترابها عند دكان الزهري رأيت الشلبي يلتفت نحوي يلوح بيده مبتسما دون أن ينطق ولو بكلمة واحدة وكأنه بذلك. يقول لي مع السلامة.. اذهب انت لوحدك للبيت ثم يمضي بهمة وحيوية ونشاط باتجاه النعش المحمول عي الأكتاف عندها صرخت عليه لا تذهب.. .. مطر مطر مطر لكنه لم يجب ولم يعد إلى بيت عمته وقد ادركت لحظتها انه بالفعل يحب المطر كما أخبرني ذات مرة وأنه غير مبال بقطرات ميائه الغزيرة. التي بدأت بالهطول ولا بالسيل الكبير الذي بدأ بالتكون امام باب المسجد ..