رصاصةٌ طائشةٌ تُدْخِل "مُلتَقَى الرواية" في حالة موتٍ سريريّ!

تابعنا على:   17:18 2020-07-11

يوسف الشايب

أمد/ * يقول مثل إيرلندي "لا تستطيعُ بيع بقرةٍ وشرب حليبِها في الوقتِ نفسِه".

على ما يبدو، يغيب عمّن اتخذ قراراً برقمنة ملتقى فلسطين للرواية العربية في دورته الثالثة، عبر تقنية "زووم" هذه الأيام، الهدف الأبرز لهذا الملتقى الذي انعقد للمرة الأولى في العام 2017، وفي المرَّة الثانية العام الماضي.

إن الهدف الأسمى والأساس لملتقى فلسطين للرواية العربية، وأيضاً ملتقى فلسطين للترجمة، الذي اغتيل، برأيي، بلا مبررٍ، بعد موسمين ناجحين، استقدَمَتْ فيهما وزارة الثقافة الفلسطينية بالشراكة مع منشورات المتوسط في إيطاليا لصاحبها الناشر الفلسطيني خالد الناصري، أسماء لامعةً على مستوى العالم في عالمي الترجمة والرواية.

وبسبب ذلك، كان الحرص كبيراً على استقطاب أكبر عددٍ من المبدعين العرب من مختلف المجالات ذات العلاقة بالسرد عامةً، والرواية على وجه الخصوص في ملتقى فلسطين للرواية العربية، ففي الدورة الأولى كان من المفترض مشاركة ما يزيد عن خمسين من الروائيين والناشرين والأكاديميين وغيرهم، وحضر منهم قرابة العشرين من الروائيين العرب أو ذوي الأصول الفلسطينية، خاصة حملة جوازات السفر الأجنبية ومن حصلوا على تصاريح لدخول فلسطين، على قِلَّتها، فحطوا رحالهم في فلسطين، بعضهم أو غالبيتهم للمرة الأولى، ومنهم فلسطينيون يحملون  جنسيات عربية، كالروائي الراحل جمال ناجي الذي كان لحضوره نكهةٌ خاصةً على الصعيد المعنوي، هو الذي كان لسنواتٍ طوالٍ لم يطأ أرض فلسطين، ورحل لكن بعد أن حقق الحلم كما قال وهو بيننا، والروائي محمود الريماوي الذي تسنَّى له أن يزور بيت جدِّهِ في بلدة بيت ريما شمال غربي رام الله، بعد نصف قرن من الغياب.

العرب كانت لهم حكاياتٌ كثيرةٌ في هذه الدورة انعكَسَت على شكل أعمالٍ أدبيةٍ، فالروائي الجزائري واسيني الأعرج نظَّمَ زياراتٍ إلى حيث كانت تعيش الأديبة الراحلة ميّ زيادة لإتمام روايته "ليالي أيزيس كوبيا"، والروائي الأريتري حجّي جابر الذي كان لزيارته هذه دوراً مهمّاً ومحوريّاً في صياغة روايته "رغوة سوداء"، في حين أن الروائي المغربي أحمد المديني خرج مؤخَّراً بكتاب "مغربي في فلسطين: رحلة الأشواق المغربية" وفاز في شباط من هذا العام بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عنه، أما على مستوى المقالات والكتابات الانطباعية فهي كثيرةٌ جداً، منها على سبيل المثال لا الحصر ما كتبه الروائي المصري محمود الورداني عن الزيارة، والروائية السورية مها حسن، وغيرهما، فيما عجَّت صفحات المبدعين العرب والفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي بصور، ومنشورات، عبَّروا فيها عن مشاعرهم وهم على أرض فلسطين، ونقلوا فيها ما يُعايشه الفلسطيني جرّاء الاحتلال، وانطباعاتهم عن الفلسطيني الصامد على أرضه، في رحلة كسر العزلة هذه.

نعم، الملتقى لكسر العزلة أولاً، هكذا كانت الرؤية، ولنقلِ الرواية الفلسطينية بأقلام المبدعين العرب ونقرات أصابعهم على "الكيبورد" بعد مشاهدات عيونهم وعقولهم وقلوبهم، إلى العالم، فلكلٍّ مُريدوه الكُثُر، ولكلٍّ كلمتُه المسموعة مقالاً ومنشوراً وعملاً إبداعياً روايةً أو مجموعةً قصصيةً أو أدب رحلة أو غير ذلك.

لا تزال دموع الكثير منهم، وهم يشاركون ذوي الأسرى مشاعرهم من داخل خيام التضامن والاعتصام في رام الله وغيرها من المدن، تحفر في قلوبهم وقلوبنا، وليس على الوجنات فحسب، ولا تزال مشاعر الغضب إزاء ما شاهدوه في قلقيلية، من جدارٍ واستيطانٍ، ومشاعرَ امتنانٍ لكرم الاستقبال حاضرةً وبقوةٍ في الذاكرة، ولا تزال زيارة كنيسة المهد، ومشاركة المبدعين الفلسطينيين من القدس والداخل ليس فقط في الندوات، التي ليست هي، على أهميتها، ما يُميّز ملتقى فلسطين للرواية العربية عن غيره، بل في تسهيل مهمة الراغبين من المشاركات والمشاركين العرب لزيارة المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وغير ذلك في القدس العاصمة.

حتى الآن لا يزال المشاركون في الدورة الأولى يكتبون عن الرحلة الأبهى كما وصفها البعض، في حين بقي من حالَتْ سياسات الاحتلال في استصدار التصاريح دون حضورهم يُمَنّي النفسَ بزيارةٍ قريبةٍ، بعضُهُم حصل عليها بجواز سفرِهِ الأجنبي في الدورة الثانية العام الماضي، كالروائية العراقية إنعام كجه جي، وابن بلدها جنان جاسم حلاوي، والسوداني طارق الطيب، والكُرديّين السوريّين جان دوست وهوشنك أوسي، والفلسطيني خالد الناصري، والسوري خليل النعيمي، الذي قدَّمَ كلمة الأدباء العرب المؤثرة في حضرة المناضلة وأم المناضلين "أم ناصر أبو حميد"، خَطَطتُها بيَدي له وهو يُمليني ما يقول في الحافلة، التي تجوَّلَت على مدار أيام الملتقى في مخيم الدهيشة، وطولكرم، إضافةً إلى رام الله، حيث زيارة متحف الرئيس الشهيد ياسر عرفات، والشاعر الكبير محمود درويش، كما كان في الدورة الأولى، ليخرج الكتاب بمقالاتٍ مدهشةٍ عن هذه الزيارات المتعددة لفلسطين، فيما أكَّدَ بعضهم أنه اقترب من نشر عملٍ إبداعيٍّ من وحي هذه الزيارة التي جعلته أقرب إلى فلسطين وشعبها وقضيتها.


وكان مقرراً أن يُعْقَدَ الملتقى كلّ عامين، بمعنى أن تكون الدورة الثالثة منه في العام 2021، ليشكِّلَ حدَثاً محوريّاً موازياً في السنوات التي يغيب فيها معرض فلسطين الدولي للكتاب، والذي يُنَظَّم كل عامين أيضاً، فتكون فلسطين على موعد مع حدثٍ ثقافيٍّ كبيرٍ كل عام، بما يشتمل عليه من فعاليات، ومن ضيوفٍ عرب وأجانب، إلا أن تنظيمَهُ إلكترونياً، هذا العام، قزَّمَهُ من جهةٍ، وحال دون أن يكون حدثاً محوريّاً، وحادَ عن أحد أبرز أهدافه المتمثل بسد الثغرة، وتشكيل حالةٍ ثقافيةٍ بامتياز بالتوازي مع تلك الحالة التي من المُفْتَرَض أن يُشَكِّلَها في العام الذي سبقه أو يليه معرض الكتاب، فتقرر أن يكون في ذات العام مع معرض الكتاب مجهول المصير، والذي لا ندري إن كان سيتم تنظيمه رقميّاً بعبقريةٍ قد تتفق فلسطينياً، في زمنٍ نحن في أمَسِّ الحاجة فيه إلى تواجد المبدع العربي على أرض فلسطين، للتصدّي رفقةَ شقيقه الفلسطيني لمخطط الضَّم، والتصدي عبر الثقافة، التي يتشدق الكثيرون بأنها "خندقنا الأخير"، و"رمز وعنوان صمودنا" لسياسات الاحتلال العنصرية.

وإذا ما تحدثنا عن المحاور والأسماء، فكان من الأجدى، برأيي، الابتعاد عن التكرار على مستوى عناوين الندوات، وضيوف المنتدى كُلٍّ من حيث يسكن أو يعمل، بحيث يُتاح المجال، ما دام القائمون على المُلتقى أصرّوا على إقامته إلكترونياً، لمبدعاتٍ ومبدعين لم يسبق لهم المشاركة في فعاليات الدورتين السابقتين من الملتقى، أو غيرها من فعاليات الوزارة في السنوات الماضية، وخاصةً أولئك الذين رفضت سلطات الاحتلال السماح لهم بالدخول.. هذا من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى، وبما أنه بات "أمراً واقعاً" كان من الأجدى أيضاً، وعوضاً عن تكرار حتى عناوين الندوات الافتراضية، الاتجاه إلى ما يُعوِّض الغياب القسري لـ"بيت لحم" كعاصمةٍ لم يُتَمِّم لها "كوفيد التاسع عشر" أن تكون عاصمةً للثقافة العربية، بالاحتفاء بها ضمن فعاليات هذه النسخة من الملتقى، ما كان من شأنه أن يقلل من خساراته الفادحة، كأن يتم استضافة الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، على سبيل المثال، والاحتفاء بثلاثيته الروائية حول بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور (ثلاثية الأجراس)، حيث كان من المقرر تكريمُهُ وإطلاق ثلاثيته هذه في نسخة العام الماضي، لكن الاحتلال حال دون ذلك، علماً أنه كان بالإمكان أن تحضر بيت لحم في أكثر من شكلٍ في الملتقى، ولكنّ ذلك لم يكن..!

كما شَهِدَ الملتقى غياباً فادحاً للروائي الفلسطيني الكبير جبرا إبراهيم جبرا في ذكرى مئويته، فلم يُكَلِّف الوزير نفسه حتى بالإشارة إليه في كلمته، وهذا ليس مهماً، فلربما سقط سهواً، لكنَّ استبعادَهُ من جدول ندوات الملتقى أمرٌ كارثيٌّ، وفيه إقصاءٌ، بعَمْدٍ أو دونه، وفي الحالتين سقطةٌ كبيرةٌ، فلا ندوةً عن أدبه متعدد الأشكال، أو عن ترجماته، وهو الذي كان المُحْتَفَى به وفق برنامج مشروع مئويات رواد النهضة والتنوير، الذي انطلق مع فدوى طوقان العام 2017، للرد على مئوية وعد بلفور المشؤوم، والذي أيضاً يبدو وكأنه يذوب أو يُذَوَّب في "الأسيد" ببطء، وهذا تشبيه مجازيّ، مع أنه كان من المقرر أن يستمر لخمسة عشر عاماً، في مرحلته الأولى، هو الذي أقرَّتْهُ مجموعة مكونة مما يزيد عن ستين مبدعاً فلسطينياً من كافة القارات، التقوا في العاصمة الأردنية عمّان، ودشَّنوا المشروع بعد سلسلة نقاشاتٍ، وتصويتٍ ديمقراطيٍّ، لكنَّ تطبيقه منذ العام الماضي يوحي بحالةٍ من اللامبالاة تجاهه فالاحتفاء بمئوية عملاقٍ كإيميل توما، وقائدٍ وطنيٍّ كحيدر عبد الشافي، لم يتعدَّ ندوةً هنا، وأخرى هناك، أو ما يزيد قليلاً.

لقد كان الملتقى، وخاصةً في دورته الأولى، كرنفالاً حقيقياً، اشتمل على إصدار أو إعادة إصدار كتبٍ مهمةٍ، وفعالياتٍ موازيةٍ كإطلاق رواية الأسير باسم خندقجي "نرجس العزلة"، وعرض فيلم "اصطياد الأشباح" لرائد أنضوني، ومونودراما "ألاقي زيّك فين يا علي" للفنانة رائدة طه، ما زاد من بهاء الملتقى، آنذاك، بهاءً، وهو ما كان في الدورة الثانية مع الافتتاح بمشاركة فرقة جامعة الاستقلال للفنون الشعبية.

ليس الهدف من الملتقى، أن ننظم ندواتٍ عبر الإنترنت، وهو ليس بالأمر العسير، ولو كان هذا هو الهدف، لكان بالإمكان تنظيم الملتقى، ودون مبالغةٍ، شهريّاً، بل إن الهدف هو كسر الحصار الذي يفرضه الاحتلال ويُمْعِن في فرضِهِ على الشعب الفلسطيني وعلى الثقافة الفلسطينية، فعلياً وليس افتراضياً، فالحصار الافتراضي ليس ممكناً وبالتالي الفعل الثقافي الافتراضي أيضاً ليس كسراً للحصار، بحيث يعمل الملتقى كما خُطط لمدّ جسور التواصل بين المبدعين الفلسطينيين والعرب والأجانب، وإعادة الاعتبار لأرض فلسطين كحاضنةٍ ثقافيةٍ بامتياز خاصةً ما قبل العام 1948، عام ما عُرِفَ بـ"النكبة"، لذا كان الملتقى لتجاوزِ هذا القطع، ومدِّ المزيد من الجسور ما بين المبدعين العرب وجمهورهم أيضاً في فلسطين، ممن يتوق للاستماع إليهم ومقابلتهم وجهاً لوجه.

لقد تمكَّنَ ملتقى فلسطين للرواية العربية في دورتي 2017 و2019، من إحضار مصر، والأردن، والعراق، وسورية، والجزائر، والمغرب، وتونس، والسودان، وأريتريا، إلى فلسطين التي احتضنت هذا الإبداع وهذا الحب بكامل جغرافيتها، وكامل بهائها، وعلى الأرض الفلسطينية في الواقع لا عبر "زووم".

بدايةً اندهشتُ حين أعلن وزير الثقافة الحالي د. عاطف أبو سيف؛ عزمَهُ تنظيم فعاليات الملتقى بشكلٍ سنويٍّ، خاصةً بعد اعتماد مجلس الوزراء قراراً باعتبار الثامن من تموز من كل عام، ذكرى استشهاد الروائي غسان كنفاني، يوماً للرواية الفلسطينية، وقلت في نفسي بأنَّهُ من الممكن، وربما من الأجدر، الإبقاء على زخم الملتقى بتنظيمه كل عامين، وليكون الحدث المحوري في العام الذي يغيب فيه معرض الكتاب، مع تنظيم فعالياتٍ ما في يوم الرواية الفلسطينية، إلا أن إعلانه في منتصف نيسان الماضي عن إلغاء الملتقى كما فعاليات "بيت لحم 2020" بسبب جائحة "كورونا" جعلني أشعر بشيءٍ من الارتياح، لكون الملتقى، ولو قسراً، سيعود ليحقق أحد أهدافه بالانتظام كل عامين مرّة، وهذا ما من شأنه أن يتيح مساحةً لاستقبال المزيد من المبدعين العرب في إطار فعاليّاته.

لكنني صُدِمْتُ، وبالمعنى السلبي للكلمة، حين أعلَنَت الوزارة على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وقبل أيامٍ قليلةٍ من موعده الملغى سابقاً بإعلان وزاريّ، عن تنظيمه افتراضيّاً عبر تقنية "زووم"، وهو ما حصل، بما يحرِفُ المُلتَقَى عن بوصلته في أن يُشَكِّل مساحةً لكسر العزلة، وفي أن يكون حدثاً ليس عابراً.. كان الوزير أعلن عن إلغائه، وكان هذا يعكس إدراكاً منه لأهميته، ولكونه كمعرض الكتاب أو "بيت لحم عاصمةً للثقافة العربية 2020" لا يمكن أن تكون فعالياتها جميعها افتراضيةً، لكن عاد عن رأيه، وقرر تنظيمَهُ بتقنية "زووم"، وكأني به يُدْخِلُهُ برصاصةٍ طائشةٍ، في العناية المكثفة، أو في حالة موتٍ سريريّ، بعد أن كان قد اغتال ملتقى فلسطين للترجمة.

خلاصة القول، ليس المهم أن نُنَظِّمَ حَدَثَاً، بقدر ما يُحْدِثُهُ ذلك من تأثير يَصُبُّ في مصلحة فلسطين، وثقافتها، التي أنا على قناعةٍ بأنها فِعْلُ مقاومةٍ مستمر، ويجب تعزيز هذا المفهوم فعلاً لا قولاً، كما أنه ليس من المهم أن ننظم حدثاً ولو افتراضياً لنؤكد أننا نحقق الإنجازات، وإن كان مردودها عكسيّاً، أو أننا نفعل شيئاً ما، بغض النظر عن ماهيَّتِه.


* همسة في أذن "معاليه": أرجو أن تتأكدَ، وتؤكِّدَ لنا عدد المشاركين في دورة هذا العام من الملتقى، هل هو ثمانيةٌ وثلاثون كاتباً أم خمسةٌ وثلاثون؟.. كما أنه لم يكن من بين الكتّابِ المشاركين في الدورة الثانية أيّ من مصر وتونس والمغرب، كما أن المشاركين لم يكونوا من سبعِ دولٍ عربيّة.. ثم إنّه ليس دقيقاً أن الجديد في هذه الدورة التركيز على مكانةِ فلسطين في الرواية العربية، فالندوة الافتتاحية للدورةِ الثانيةِ من الملتقى كانت حول الموضوع ذاته، وبمشاركة كتاب عربٍ وفلسطينيين كبار، وبشكل أو بآخر طُرح الأمرُ في الندوةِ الثانية من اليوم الافتتاحي للدورة الأولى، كما أنّ توظيف التقنيات كان منذ الدورة الأولى، عبر استضافة بعض من لم يتمكنوا من المشاركة المباشرة على الأرض بتقنية "سكايب"، وهو بالتالي ليس بالأمر الجديد... و... و...


وأختم، وإن كان في جعبتي المزيد من الملاحظات، بما قاله الكبير المهمّش في مئويته، جبرا إبراهيم جبرا ذات يوم "الحياةُ هي الشجاعةُ المتكرّرةُ، ولا يبقى للجبانِ إلا موتَه المتكرّر".
 

اخر الأخبار