لقاح بي سي جي في معركة كورونا

تابعنا على:   11:12 2020-04-04

د. رياض عبدالكريم عواد

أمد/ سُمي هذا اللقاح (Bacillus Calmette–Guérin BCG) بهذا الاسم نسبة إلى مخترعيه ألبرت كالميت وكميل غيران، طبيبان وعالمان فرنسيان.

يتم تحضير اللقاح من ميكروب السل البقري المضعف، ويعطى للمواليد والأطفال بعد الولادة وفي المدارس لحمايتهم من أنواع من السل (السل السحائي meningeal tuberculosis والعنقوديMiliary tuberculosis). وهو أكثر لقاح يستخدم وقد أُعطي لأكثر من 4 مليار شخص في العالم منذ أن بدا استخدامه قبل حوالي مائة سنة في 1921.

بدأ العالمان الفرنسيان هذا العمل المميز منذ 1900، حيث نجحا في عام 1913 في اول تجربة لهذا اللقاح على الابقار، واستمرت التجارب حتى ولد هذا اللقاح وسمي باسمهما في 1919. وبدا استخدامه في 1921 في الإنسان، عن طريق جرعة من الفم ومن ثم عن طريق الحقن في الجلد intradermal.

في 1930 توقف استخدام هذا اللقاح لفقدان الثقة به على إثر موت 73 مولودا من مجموع 250 مولود تم إعطائهم هذا اللقاح عن طريق الفم، في مدينة لوبيك شمال ألمانيا. تبين فيما بعد أن سبب ذلك يعود إلى تلوث اللقاح بميكروب السل الحي في مختبرات لوبيك. استمر هذا التوقف حتى عام 1940 حتى أثبتت الدراسات نجاعة هذا التطعيم في الوقاية من السل، خاصة بعد انتشاره على إثر الحرب العالمية الثانية.

منظمة الصحة العالمية توصي بإعطاء لقاح بي سي جي لكل الأطفال المواليد في الدول التي لديها سل متوطن، وهو يعطى في 172 دولة. ويعطى في معظم الدول ال 23 دولة لمنطقة شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية وفقا لجداول مختلفة. لكن استخدامه في الدول الصناعية، في اوروبا وشمال امريكيا، قد توقف او تم تحديده واعطائه لفئات محددة.

في الأراضي الفلسطينية المحتلة يعطى اللقاح عند الميلاد، وقد توقفت الجرعة الثانية عند دخول المدرسة منذ 1996، والجرعة الثالثة عند عمر 13 سنة منذ 1999. معدلات التغطية بهذا اللقاح في بلادنا وبين اللاجئين الفلسطينين في الدول العربية عالية جدا ولا تقل عن 98%.

يُعطى لقاح بي سي جي عن طريق حقنة واحدة في الأدمة في العضلة المثلثة، في الجلد intradermal، وقد يشكل ما يعرف ب (ندبة بي سي جي). تستخدم هذه الندبة غالبا كدليل على المناعة المسبقة. كما يجب التفريق بين هذه الندبة وندبة تطعيم الجدري التي تشبهها.

يوفر لقاح بي سي جي الحماية ضد الجذام بنسبة 26٪-41٪، بناء على دراسات محكمة. كما يستخدم لقاح بي سي جي في علاج أنواع من سرطان المثانة السطحي، العلاج المناعي مع لقاح بي سي جي يمنع نكسة حالات سرطان المثانة السطحي بنسبة تصل إلى 67٪.

لم يكل العلماء منذ انتشار جائحة كورونا في البحث عن عقاقير ولقاحات ضد فيروس كوفيد19. متذ ايام اكتشف خبراء الأوبئة الأمريكيون علاقة بين تدني نسبة الاصابة والوفيات بسبب فيروس كورونا ولقاح BCG.

يفيد موقع *medRxiv، بأن الخبراء اكتشفوا أن "الدول التي لم يستخدم فيها لقاح BCG، ومن ضمنها إيطاليا وهولندا والولايات المتحدة، هي الأكثر تضررا من غيرها بوباء فيروس كورونا".

وقد اكتشف الخبراء أن لقاح BCG خفض من الإصابات بعدوى فيروس كورونا، وهذا قد يجعل هذا اللقاح إحدى الوسائل الفعالة في مكافحته. استنادا لهذا اختبر الباحثون كيف يمكن لهذا اللقاح التأثير في انتشار الوباء وخطر الوفاة بسببه، في أكثر شرائح المجتمع ضعفا، ودرسوا تأثير مستوى المعيشة في البلاد ومستوى تطور الرعاية الصحية في انتشار وباء فيروس كورونا ونسبة الوفيات بسببه.

واتضح لهم أن وتائر انتشار الفيروس ونسبة الوفيات ترتبط بالمؤشرات الاقتصادية. ولكن في عدد من البلدان وخصوصا في الولايات المتحدة وإيران وإيطاليا وبلجيكا وهولندا وبلدان أوروبية أخرى، لم يكن الأمر كذلك. لأنه في جميع هذه البلدان إما لم يستخدم لقاح BCG على نطاق واسع أو بدأوا باستخدامه قبل فترة قصيرة. وهذا برأي الباحثين كان السبب في ازدياد عدد الإصابات والوفيات أيضا.

وأشار الباحثون، إلى أنه يلاحظ انخفاض عدد الوفيات بسبب فيروس كورونا في البلدان الفقيرة التي تستخدم لقاح BCG دائما لجميع السكان. وهذا يدل على أن هذا اللقاح فعال في الوقاية من هذا الفيروس.

ويضيف الخبراء، بدأت الصين تستخدم لقاح BCG في خمسينيات القرن الماضي ولكن خلال فترة "الثورة الثقافية"، أعوام 1966-1976 توقف استخدام هذا اللقاح، وهذا برأي الباحث آرون ميللر، خلق شريحة ضعيفة من السكان، مما ساعد على انتشار الفيروس في المراحل الأولى للوباء في الصين.

كما بدأ العلماء في 4 دول اخرى تجريب لقاح BCG من خلال تجارب سريرية على الاطباء والتمريض وكبار السن، الأكثر عرضة للعدوى، لانهم يعتقدون أن هذا اللقاح ينشط الجهاز المناعي ويجعله أكثر قدرة على مقاومة فيروس كوفيد19.

تثير هاتين الدراستين، الدراسة التحليلية الأولى والسريرية الثانية، الأمل والأسئلة عند المتخصصين وسائر الناس. وهنا يثار سؤال قد يكون مشروعا، هل يمكن ان يكون سبب ضعف انتشار الوباء في الدول النامية بسبب مناعة هذه الشعوب الناتجة عن تطعيم بي سي جي، أم لاسباب مناخية، او بسبب ضعف حركة التنقل منها واليها، أو بسبب الإجراءات الوقائية التي اتخذتها؟!

من المبكر الجزم والإجابة على هذا السؤال خاصة وأن هذه الدراسة الأولى هي analytical observation study، وهي في مراحلها الاولى ولا تبحث في الأسباب والمحددات وتعتمد على مراجعة ملفات السكان والمقارنة بينها، لكن اتساع حجم العينة، وهم هنا السكان، قد يعطي هذه الدراسة المصداقية. كما أنه من الهام انتظار نتائج الدراسات التي تعتمد على التجارب السريرية clinical trials في الدول الأربعة,، لأن النتائج هنا سيكون له القول الفصل حول علاقة لقاح بي سي جي في تقليل الاصابة والوفيات بسبب وباء كورونا.

أن التطرق لهذه المواضيع العلمية وانتظارها لا يعني للحظة التراخي في الإجراءات الوقائية التي هي جوهر الوقاية من هذا المرض ومنع انتشاره وتقليل نسب الإصابة به.
medRxiv
موقع محوسب يوزع المخطوطات الكاملة
للعلوم الصحية، غير المنشورة في مجالات الطب، والبحوث السريرية والعلوم الصحية ذات الصلة دون مقابل للقارئ. تأسس من قبل مختبر كولد سبرينج هاربور، المجلة الطبية البريطانية وجامعة ييل

كلمات دلالية

اخر الأخبار